ضد العنصرية حيثما كانت
تتخذ العنصرية أشكالًا متعددة، أخطرها تلك التي تتخفّى خلف شعارات الانتماء، أو تتزيّن بثياب السيادة، أو تُسوَّق بوصفها “خصوصية وطنية”. وفي عالمنا العربي، تتجلّى إحدى أبشع هذه الصور في العنصرية القُطرية: الانحياز الأعمى لقطرٍ دون آخر، ورفع الحدود السياسية الحديثة إلى مرتبة الهويات المغلقة، وكأنها قدرٌ أبدي لا يُمسّ، أو معيار أخلاقي يُقصي البشر ويصنّفهم.
العنصرية القُطرية ليست حبًا للوطن، بل اختزالٌ فجّ له. هي تحويل الانتماء من رابطة إنسانية وثقافية وتاريخية جامعة، إلى أداة فرز وإقصاء، تُقاس فيها قيمة الإنسان بجواز سفره، أو بلهجته، أو بمكان ولادته. وهي، في جوهرها، نقيضٌ لفكرة الوطن ذاته، لأن الأوطان لا تُبنى بالخوف من الآخر، بل بالعدل بين أبنائها، وبالانفتاح على محيطها، وبالاعتراف بأن الحدود التي رسمها الاستعمار لا تلغي وحدة المصير ولا تشابه المعاناة.
لقد علّمنا التاريخ العربي الحديث أن الانغلاق القُطري لم يحمِ دولة، ولم يصن كرامة، ولم يصنع نهضة. على العكس، كلما انكفأ بلدٌ على ذاته، وشيطن جيرانه، وجرّد أبناء أمته من حق التعاطف والتكافل، ازداد ضعفًا وهشاشة. وكلما استُخدمت الوطنية لتكميم الأفواه بدل حماية الحقوق، تحوّلت إلى قناع للاستبداد لا أكثر.
وفي المقابل، لا يمكن لمن يرفض العنصرية القُطرية في بلاده أن يقبل أو يبرّر العنصرية في الغرب، سواء جاءت في شكل تمييزٍ ضد المهاجرين، أو شيطنةٍ للمسلمين، أو ازدواجيةٍ فاضحة في التعامل مع قضايا العدالة وحقوق الإنسان. فالعنصرية لا تصبح أقل قبحًا لأنها تُمارَس بلغة القانون، أو تحت لافتة “الأمن القومي”، أو باسم “القيم الغربية”.
إن المبدأ الأخلاقي واحد لا يتجزأ: الإنسان إنسان، وكرامته غير قابلة للتفاوض. من يرفض أن يُسأل في الغرب: “ما علاقتك؟ ولماذا تتدخل؟” لا يحق له أن يطرح السؤال ذاته على عربيٍ آخر، فقط لأنه ينتمي إلى قطر مختلف، أو يحمل رأيًا ناقدًا، أو يتجاوز السردية الرسمية. ومن يطالب بالمواطنة الكاملة والعدالة المتساوية في لندن أو باريس، عليه أن يكون أول المدافعين عنها في القاهرة أو الرباط أو بغداد.
المفارقة المؤلمة أن بعض الأصوات العربية تمارس النوعين معًا: تتبنّى خطاب الضحية حين تكون مستهدفة في الغرب، وتتحوّل إلى جلّادٍ لغوي وأخلاقي حين يتعلّق الأمر بعربيٍ آخر. ترفض العنصرية ضدها، لكنها تبرّرها حين تكون في موقع الأغلبية أو السلطة. وهذا السلوك، قبل أن يكون نفاقًا، هو هزيمة داخلية عميقة.
الانحياز الحقيقي ليس لقطرٍ ضد قطر، ولا لشرقٍ ضد غرب، بل للقيم: للعدالة، والحرية، وكرامة الإنسان، وحقه في الاختلاف والمساءلة. الوطنية الحقة لا تخاف من النقد، ولا تحتاج إلى إقصاء الآخر كي تثبت نفسها. وكذلك الاندماج الحقيقي في الغرب لا يعني الصمت عن الظلم، ولا التماهي مع خطاب عنصري، بل المشاركة الفاعلة في الدفاع عن مجتمعٍ أكثر عدلًا للجميع.
نحن بحاجة إلى خطاب عربي جديد، شجاع وواضح، يقول بلا مواربة: نعم، نحب أوطاننا، لكننا نرفض تحويلها إلى أصنام. نعم، نطالب بحقوقنا في الغرب، لكننا نرفض أن نكون شهود زور على ظلمٍ في أوطاننا. نعم، نؤمن بالسيادة، لكننا نؤمن قبلها بالإنسان.
العنصرية، أيًّا كان مصدرها، لا تُهزم بالصمت ولا بالتبرير، بل بالموقف الأخلاقي المتسق. ومن لا يستطيع أن يكون ضدها في كل مكان، سيسقط—شاء أم أبى—في خندقها.
اقرأ أيضًا:
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



