شرطة لندن تنتصر للشفافية في مواجهة سرية الماسونية: الثقة العامة أولًا
في خطوة لافتة تعكس تحوّلاً واضحاً في مقاربة الشفافية داخل أجهزة إنفاذ القانون، أعلنت شرطة العاصمة البريطانية عن إلزام ضباطها وموظفيها بالإفصاح عن عضويتهم الحالية أو السابقة في منظمات أخوية أو هرمية، وعلى رأسها الماسونية، معتبرة أن الثقة العامة ونزاهة التحقيقات يجب أن تتقدّم على أي اعتبارات تتعلق بالسرية التنظيمية.
الشفافية قبل السرية: لماذا الآن؟

القرار، الذي أُدرج ضمن سياسة “العلاقات التي يجب الإفصاح عنها”، جاء بعد مشاورات داخلية أظهرت أن غالبية الضباط والموظفين أنفسهم يؤيدون هذا التوجه، في إشارة واضحة إلى إدراك متزايد داخل المؤسسة الشرطية بأن الغموض والالتباس لم يعدا مقبولين في زمن تتراجع فيه ثقة الجمهور بالمؤسسات العامة.
وأكدت شرطة لندن أن الدعوات لمعالجة مسألة الماسونية داخل الشرطة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات طويلة، وتحديداً إلى توصيات تقرير لجنة دانيل مورغان المستقلة، التي خلصت عام 2021 إلى وجود خلل عميق في طريقة تعامل الشرطة مع قضايا حساسة، في سياق اتّسم بما وصفته اللجنة بـ“الفساد المؤسسي” وانعدام الشفافية.
تقرير دانيل مورغان وظلال «الفساد المؤسسي»

ورغم أن التقرير لم يثبت بشكل قاطع تورط الماسونية في تعطيل التحقيقات، إلا أنه أشار بوضوح إلى أن وجود انتماءات سرية داخل جهاز يُفترض أن يعمل باسم القانون وحده، يخلق شبهة كافية لتقويض الثقة، حتى في غياب الدليل الجنائي المباشر.
من هذا المنطلق، شددت الشرطة على أن الضحايا يستحقون أن يعرفوا أن من يحقق في شكاواهم لا يخضع لأي ولاءات خفية أو تضارب مصالح محتمل، كما أن الضباط والموظفين يجب أن يشعروا بالأمان عند الإبلاغ عن تجاوزات زملائهم، دون الخوف من شبكات نفوذ غير معلنة قد تحمي البعض على حساب العدالة.
وفي لهجة واضحة، أكدت شرطة العاصمة أن الحفاظ على الثقة العامة أهم من أي رغبة تنظيمية في الحفاظ على السرية، في رسالة بدت موجهة بشكل مباشر إلى المنظمات التي تقوم فلسفتها على الغموض والطقوس المغلقة، مهما قدّمت من توصيفات إيجابية عن نفسها.
اعتراض الماسونية وسؤال الثقة العامة
We will robustly defend our decision to require officers and staff to declare if they are Freemasons.
Our response to the decision by the Grand Lodge of England to seek an injunction blocking the implementation of the policy is below. pic.twitter.com/TaajGFpbW2
— Metropolitan Police (@metpoliceuk) December 29, 2025
في المقابل، سارعت الهيئات الماسونية في بريطانيا إلى الاعتراض، معلنة نيتها الطعن قانونياً في القرار، بحجة أنه ينتهك الخصوصية ويمثل تمييزاً غير مبرر. وتؤكد هذه الهيئات أن الماسونية منظمة اجتماعية وخيرية، لا تمارس عملاً سياسياً أو تدخلاً مؤسسياً، ولا ترى مبرراً لإخضاع أعضائها لإفصاح خاص.
غير أن هذا الموقف يثير تساؤلاً مشروعاً يتردد اليوم على نطاق واسع في الأوساط الإعلامية والسياسية البريطانية:
إذا كانت الماسونية، كما تقول، منظمة اجتماعية علنية تعمل للصالح العام، فلماذا تخشى الإعلان عن أعضائها داخل مؤسسة حساسة كجهاز الشرطة؟
فالعمل العام، بطبيعته، يفترض العلنية والمساءلة، لا السرية والتحفظ. أما الإصرار على إخفاء العضوية، في مؤسسة تقوم على تطبيق القانون، فيغذّي الشكوك بدلاً من تبديدها، ويمنح خصوم الشرطة مادة دائمة للطعن في نزاهتها، حتى عندما تكون بريئة من أي شبهة فعلية.
وتؤكد شرطة لندن أن قرارها لا يستهدف منع أي انتماء، ولا يصنّف الماسونية كمنظمة غير قانونية، بل يضعها في الإطار نفسه الذي تُعامل فيه المصالح المالية أو العلاقات الشخصية الحساسة: الإفصاح لا العقاب، والشفافية لا الاتهام.
وفي وقت تواجه فيه الشرطة البريطانية تحديات جسيمة تتعلق بالثقة والمساءلة، يبدو هذا القرار محاولة جادة لاستعادة ثقة المجتمع، عبر قطع الطريق على أي التباس أو تأويل، وإيصال رسالة واضحة مفادها أن الولاء الأول والأخير يجب أن يكون للقانون، لا لأي رابطة أخرى، مهما كان اسمها أو تاريخها.
المصدر: Metropolitan Police
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
