سنة جديدة من عمرك… هل تستحقّ فيها كلّ هذا الاستسلام؟
في كلِّ عامٍ جديد من أعمارنا، لا يتغيّر العالم كثيراً كما نظنّ، الشمس تخرج من الجهة ذاتها، والليل يعود محمّلاً بتعبه القديم، والشوارع لا تصير أكثر رحمةً فجأة لأنّ رقماً في التقويم تبدّل. لكنّ الذي يتغيّر حقاً هو شيء خفيّ في الداخل؛ شيء يشبه الورقة الأخيرة في دفتر العمر حين تُطوى بهدوء دون أن نشعر. سنةٌ أخرى غادرت، لأنها أخذت معها نسخةً منّا لن تعود أبداً.
والمخيف في الأمر، ليس مرور السنوات، ولكن الطريقة التي نمرّ بها نحن داخلها؛ كأننا ظلالٌ باهتة لأحلامٍ قديمة، أو ناجون متعبون من معارك لم ننتصر فيها، لكننا أيضاً لم نملك شجاعة الانسحاب منها.
كم مرة قلت لنفسك: “سأبدأ من جديد”؟ ثم عدت إلى العادة ذاتها، والخوف ذاته، والتأجيل ذاته، حتى صار العمر سلسلةً طويلة من البدايات المؤجّلة؟
إنّ أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس الفشل، وإنّما الاعتياد على نصف الحياة. أن يعتاد الحزن حتى يظنه طبعاً، والخذلان حتى يراه قدراً، والصمت حتى ينسى أن في داخله صوتاً يستحقّ أن يُسمع. الاستسلام لا يأتي دفعةً واحدة، فهو ببساطة يتسرّب إلينا كالماء البارد؛ قليلاً قليلاً، حتى نجد أنفسنا عاجزين عن التمييز بين السلام الحقيقي، وبين موت الرغبة في المقاومة.
هناك لحظة خفيّة في حياة كل إنسان، يدرك فيها أنّه لم يعد يحارب كما كان، لأنه تعب. والتعب أحياناً أخطر من الهزيمة، لأنّ المهزوم قد يثور يوماً، أمّا المتعب فيميل إلى النوم الطويل داخل روحه.
لكن، هل خُلِق الإنسان ليستسلم؟
كل ما في هذا الكون يقول العكس. البذرة تشقّ التراب المظلم كي ترى الضوء، والطفل يبكي ليعلن وجوده، والطائر يضرب الهواء بجناحيه كي لا يسقط. حتى النهر، حين تعترضه الصخور، لا يعود إلى الخلف، ولكن يبحث عن طريق آخر.
فلماذا يظنّ الإنسان وحده أن سقوطه الأخير يجب أن يكون النهاية؟
ربما لأنّ الحياة الحديثة علّمتنا شكلاً غريباً من الهزيمة الصامتة؛ أن تبدو بخير بينما أنت تنهار، أن تضحك كي لا يسألك أحد، أن تحمل هاتفك طوال اليوم هرباً من مواجهة نفسك، أن تُخدّر قلبك بالضجيج كي لا تسمع صوت الفراغ داخلك.
صرنا نعيش أعمارنا كما لو أننا نؤجّل الحياة إلى وقتٍ آخر، إلى فرصة أفضل، إلى مزاج أفضل، إلى نسخةٍ أقوى من أنفسنا لن تأتي غالباً. وفي الطريق، تضيع السنوات بسبب الاستسلام البطيء له.
إنّ الإنسان لا يُهزم حين يسقط، وإنّما حين يقتنع أنّ الوقوف لم يعد ضرورياً.
تأمّل كم من الأشياء نجوت منها دون أن تنتبه. أيام ظننت أنّك لن تعبرها، ثم عبرتها. ليالٍ شعرت فيها أنّ قلبك لن يحتمل المزيد، لكنه احتمل. خيبات حسبتها النهاية، ثم اكتشفت بعد زمن أنها كانت تعلّمك كيف تصبح أصلب، وأكثر فهماً للحياة والناس ونفسك.
حتى جراحك القديمة، تلك التي كنت تظنّ أنها لن تلتئم، ها أنت تحملها الآن كندبة لا ككارثة.
وهذا وحده دليل على أنّ فيك قوّة أكبر مما تتخيّل.
ليس المطلوب منك أن تكون بطلاً خارقاً، ولا أن تربح كل المعارك، ولا أن تبتسم طوال الوقت كأنك مصنوع من ضوء. المطلوب فقط ألّا تتخلّى عن نفسك بالكامل. أن تمنح روحك فرصةً أخرى، ولو كانت صغيرة. أن تؤمن أنّ الإنسان يستطيع أن يبدأ من الحطام أحياناً، وأنّ بعض الأبواب لا تُفتح إلا بعد أن نظنّ أنّ الطريق انتهى.
كم من شخص تبدو حياته الآن مستقرة، كان قبل سنوات يقف على حافة الانهيار؟ وكم من إنسان ظنّ أن أحلامه انتهت، ثم وجد نفسه لاحقاً يعيش حياة لم يكن يجرؤ حتى على تخيّلها؟
الحياة لا تعطي أجوبتها دفعةً واحدة، ولهذا يبدو الصبر مؤلماً جداً. نحن نريد المعنى فوراً، والنجاة فوراً، والطمأنينة فوراً، لكنّ الأشياء العظيمة تحتاج وقتاً كي تنضج. حتى الفجر لا يأتي دفعةً واحدة، بل يبدأ بخيط ضوء خافت، يكاد لا يُرى.
وأنت أيضاً، لست مطالباً بأن تتغيّر كلّك في ليلة واحدة. يكفي أن تعود إلى نفسك خطوةً خطوة. أن تتصالح مع أخطائك بدل أن تجعلها سجناً أبدياً. أن تدرك أنّ العمر ليس عدد السنوات التي عشتها، ولكن عدد المرّات التي قاومت فيها السقوط ولم تستسلم.
سنة جديدة من عمرك هي سؤال كبير لنفسك: هل ستعيش ما تبقّى منك بالطريقة ذاتها؟ هل ستواصل الهرب من أحلامك لأن الطريق صعب؟ هل ستبقى حبيس خوفٍ قديم صنعه الآخرون داخلك؟ هل ستسمح للحزن أن يتحوّل إلى هوية؟
أم أنّك، ولو متأخراً، ستقرّر أن تنقذ نفسك؟
إنّ أجمل ما في الإنسان أنّه قادر على النهوض رغم انكساره. وهذه القدرة وحدها معجزة.
لهذا، حين تبدأ سنة جديدة من عمرك، لا تعد نفسك بأن تكون مثالياً، ولكن بأن تكون حيّاً أكثر. أكثر صدقاً مع قلبك، أكثر شجاعةً في مواجهة خوفك، أكثر رحمةً بنفسك، وأكثر إيماناً أنّ الحياة، مهما أثقلتك، لا تزال تخبّئ لك شيئاً يستحقّ أن تُكمل الطريق لأجله.
فالعمر الذي نملكه أقصر من أن يُعاش مستسلماً، والروح التي نجت من كل ما مضى… تستحقّ أخيراً أن تُنقذ.
الرابط المختصر هنا ⬇