سلموه لإنقاذ شقيقه فاستلموه جثة: مأساة شاب فلسطيني في سجون الاحتلال
بين الخوف من فقدان الابن والشعور بالذنب، يعيش والدَا الشاب الفلسطيني أحمد طزازة مأساة مستمرة منذ تسليمه تحت تهديد قوات الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة يائسة لحمايته وإنقاذ شقيقه.
ما ظنّاه تسليمًا مؤقتًا انتهى بعد أشهر بخبر وفاته داخل أحد أكثر السجون الإسرائيلية سوءًا في السمعة، وسط اتهامات متزايدة بالإهمال الطبي واحتجاز الجثامين وحرمان العائلات من معرفة الحقيقة ووداع أبنائها.
أحمد طزازة ونمط الاعتقال الإداري في الضفة الغربية

كان أحمد طزازة شابًا يتمتع بصحة جيدة، يبلغ من العمر 20 عامًا، ولم يكن يعاني من أي مشكلات صحية قبل أن يسلمه والداه للسلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في كانون الثاني/يناير 2025، بعد أشهر من الملاحقة والتهديد. ويقول والداه إنهما لم يعرفا سبب استهداف ابنهما الأصغر بين ثلاثة أشقاء، غير أن ما واجهه يعكس نمطًا شائعًا في سياسات الاعتقال التي تطول آلاف الشبان الفلسطينيين في الضفة الغربية.
فور اعتقاله، وُضع أحمد تحت الاعتقال الإداري، وهو شكل من أشكال السجن التعسفي الذي يحتجز فيه الفلسطينيون دون توجيه تهم أو محاكمة أو السماح لهم بالوصول إلى محامٍ. ووفق بيانات مصلحة السجون الإسرائيلية، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين المصنّفين “أسرى أمنيين” حتى أيلول/سبتمبر 2025 نحو 10,465 أسيرًا، بينهم 7,425 من الضفة الغربية والقدس الشرقية.
قبل اعتقاله، تعرض منزل العائلة في بلدة قباطية شمالي الضفة الغربية لمداهمات متكررة نفذتها قوات الاحتلال، تخللتها تهديدات ومضايقات لأفراد الأسرة. وقالت والدته لموقع “ميدل إيست آي”: “حطّمت القوات المنزل ودمّرت كل شيء”، مضيفة أن أحمد لم يكن موجودًا حينها، إذ كان يعمل في المتجر ونام هناك تلك الليلة. وبعد فشل القوات في العثور عليه، اعتُقل شقيقه مرة ثانية، في محاولة لممارسة ضغط مباشر على العائلة، قبل أن يسلمه والداه عند حاجز سالم قرب جنين.
الرعاية الصحية للأسرى الفلسطينيين: تدهور وظروف قاتلة

استشهد أحمد طزازة عن عمر 21 عامًا داخل سجن مجدو في 3 آب/أغسطس 2025، بحسب تقرير تشريح أعدّه طبيب تابع لمنظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل”. أشار التقرير إلى أن أحمد كان يتمتع بصحة جيدة عند اعتقاله، ولم يكن لديه أي سجل طبي يشير إلى أمراض مزمنة.
وخلال فترة احتجازه، عانى أحمد من الإسهال والجرب واشتكى من التهاب في الحلق قبل أيام من وفاته. وفي 2 آب/أغسطس، لاحظ طبيب مناوب وجود بقع دم على سرواله، في مؤشر لتدهور حالته الصحية. وبعد طلبه الذهاب إلى المرحاض، انهار فجأة وفقد الوعي، وأُعلنت وفاته رغم محاولات الإنعاش، بما في ذلك التنبيب والإنعاش القلبي الرئوي.
ورغم التقرير الطبي، ترفض العائلة الرواية الرسمية، في ظل استمرار احتجاز الجثمان ومنع التحقق المستقل من أسباب الوفاة، إذ لم يتمكن والداه من رؤيته طوال ثمانية أشهر من اعتقاله.
الأسرى الفلسطينيون بين القمع والإهمال الطبي

قبل أيام من وفاته، حاول أحمد إيصال رسالة إلى عائلته عبر أحد الزوار، طالبًا محاميًا ومؤكدًا أنه يتمتع بصحة جيدة. وأفاد الزائر أن الأخبار القادمة من القسم الذي كان يحتجز فيه تشير إلى حملة قمع واسعة استهدفت الأسرى، وأن أحمد تعرّض لعضة كلب أدّت إلى التهاب جروحه، فيما أشار آخرون إلى أن وفاته جاءت نتيجة عدم تلقي العلاج بعد إصابته بجروح بالغة.
وأكد الزائر، الذي أمضى 18 شهرًا في السجن، أن “الضرب يبدأ منذ لحظة الاعتقال ولا ينتهي، لا أمان، تنام بخوف وتستحم بخوف، المداهمات يومية”، في وصف صادم للمعاملة التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون.
السجون الإسرائيلية: عنف وإهمال ممنهج

وصفت منظمة “بتسيلم” منظومة السجون الإسرائيلية بأنها شبكة معسكرات تعذيب، معتبرة أن هذه السياسة جزء من حملة منسقة تستهدف الفلسطينيين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضح التقرير أن الأسرى يتعرضون لعنف ممنهج يشمل اعتداءات جنسية وهجمات بالكلاب، إضافة إلى ظروف معيشية غير إنسانية وحرمان متعمد من الغذاء والرعاية الطبية، معتبرة أن منع العلاج يشكّل شكلاً من أشكال التعذيب.
وأشار التقرير إلى أن من بين 84 أسيرًا فلسطينيًا توفوا داخل السجون، لم يُعَد سوى أربعة جثامين لعائلاتهم، في مؤشر على حرمان ذويهم من متابعة أسباب الوفاة ودفن أبنائهم وفق تقاليدهم.
وأكدت المنظمة أن العنف والإهمال الطبي جزء من استراتيجية منهجية لممارسة الضغط على الفلسطينيين داخل السجون، بما في ذلك الأسرى الإداريون المحتجزون دون تهم أو محاكمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول مسؤولية السلطات الإسرائيلية تجاه حياة الأسرى وحقوقهم الأساسية.
الموتى الفلسطينيون رهائن سياسة السجون

تواصل السلطات الإسرائيلية احتجاز جثامين الفلسطينيين في سياسة وصفها حقوقيون بأنها انتقامية متعمدة، ما يزيد من معاناة العائلات ويثير قلق المنظمات الدولية. ويشير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان إلى احتجاز ما لا يقل عن 776 جثمانًا فلسطينيًا و10 أجانب، بينهم 88 شخصًا توفوا داخل الأسر.
وفي الفترة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وآب/أغسطس 2025، أفادت منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بوفاة 94 فلسطينيًا داخل السجون نتيجة سياسة رسمية للإهمال الطبي، فيما ارتفع العدد لاحقًا إلى 101 وفاة مؤكدة.
وأوضح ناجي عباس، مدير ملف الأسرى في المنظمة: “السبب الرئيسي كان الإهمال الطبي، وليس مجرد تأخير في تقديم العلاج، بل سياسة كاملة لمنع العلاج”، ما يسلط الضوء على الوضع المأساوي للأسرى وحرمانهم من حقوقهم الأساسية.
خطر الموت واحتجاز الجثامين يزيد معاناة الأسرى والعائلات

وحذر ناجي عباس، مدير ملف الأسرى في منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، من أن ظروف الاحتجاز الحالية، إلى جانب التجويع والاعتداءات المتكررة، تعرض أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني للخطر، مضيفًا: “اليوم، حتى أبسط عدوى قد تؤدي إلى الوفاة. نحن نعيش واقعًا يشبه عام 1800”.
وفي ظل استمرار احتجاز جثامين الفلسطينيين، تتضاعف معاناة العائلات، إذ يُحرم ذووهم من حقهم في دفن أبنائهم ومتابعة أسباب وفاتهم، ما يزيد الألم النفسي والصدمة. وتظل ملابس الشاب الفلسطيني أحمد طزازة معلقة في خزانته، تذكّر العائلة بحياته التي توقفت فجأة. وقالت والدته: “أعيش أيامًا سوداء، أنام باكية وأستيقظ باكية. أريد أن أراه، حتى لو كان ميتًا. دفنه بيدي يريح القلب. لماذا يحتجزونه؟ ماذا يريدون منه؟”
قضية أحمد طزازة تعكس التحديات الكبيرة التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، والإهمال الطبي، واحتجاز الجثامين، في سياق يُنظر إليه على أنه مخالف للقانون الدولي الإنساني. مثل هذه الحالات تبرز أهمية توفير معلومات دقيقة للعائلات حول مصير أبنائهم، وتمكينها من وداعهم بكرامة، ولفت الانتباه إلى المخاطر التي قد يتعرض لها الأسرى في ظل الظروف الحالية.
المصدر : ميدل إيست آي
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
