ساعات العمل المفرطة للقابلات تهدد سلامة الأمهات والرضّع في بريطانيا
تتصاعد التحذيرات في بريطانيا من المخاطر المتزايدة التي تفرضها ساعات العمل المفرطة للقابلات على سلامة الأمهات والرضّع، في ظل ضغوط متزايدة يعانيها قطاع خدمات الأمومة داخل هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS).
ومع تزايد الشهادات المهنية والقصص الإنسانية الصادمة، وقّع أكثر من 14 ألف شخص عريضة تطالب بفرض قيود قانونية صارمة على ساعات عمل القابلات، بعد وصفها بأنها «طويلة بشكل خطير» وتهدد جودة الرعاية الصحية وأمانها.
نوبات تتجاوز 24 ساعة

تحكي جو*، وهي قابلة تتمتع بخبرة تمتد إلى 19 عامًا، كيف دخلت هذه المهنة بدافع حلم قديم بالعمل مع النساء لتحسين صحتهن وحقوقهن.
غير أن هذا الحلم بات اليوم مثقلًا بالمخاوف، إذ تقول إن النوبات الطويلة التي تُجبر أحيانًا على العمل خلالها أصبحت تهدد سلامتها وسلامة مريضاتها.
وتوضح جو، التي تعمل قابلة مجتمعية، أنها قد تعمل نوبة نهارية كاملة قبل أن تُوضع في حالة الاستدعاء طوال الليل، ما يعني إمكانية استمرارها في العمل لأكثر من 24 ساعة متواصلة، وهي تقدم خلالها رعاية حيوية للأمهات والمواليد.
وتؤكد في حديثها لصحيفة «إندبندنت» أن هذا الوضع «غير آمن»، متسائلة: لماذا يُتوقع من القابلات، رغم حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهن، أن يعملن في ظروف لا تُفرض على أي مهنة أخرى حساسة للسلامة؟
عريضة قانونية وحادثة مأساوية
جو ليست وحدها. فهي واحدة من بين أكثر من 14 ألف شخص وقّعوا عريضة تطالب بفرض قيود قانونية واضحة على ساعات عمل القابلات.
وقد أطلقت العريضة القابلة والمؤلفة ليا هازارد، بعد اطلاعها على قصة جينيفر كاهيل (34 عامًا)، التي توفيت بعد وقت قصير من إنجاب طفلها الثاني في منزلها.
وأظهر تقرير الطبيب الشرعي أن «فشلًا جسيمًا» في الرعاية أدى إلى وفاة كاهيل، كما كشف أن القابلتين اللتين حضرتا ولادتها كانتا مستيقظتين لأكثر من 30 ساعة متواصلة.
وتقول هازارد إن هذه القصة شكّلت نقطة تحوّل لديها، معتبرة أن الحرمان من النوم يؤثر بشكل مباشر على كفاءة القابلات، تمامًا كما يفعل الكحول، وهو أمر لا يمكن القبول به في مهنة تتعلق بحياة البشر.
يمكنكم الوقيع على العريضة عبر هذا الرابط هنا.
شهادات صادمة من داخل المهنة

عقب مشاركة القصة على وسائل التواصل الاجتماعي، تلقت هازارد استجابة كبيرة، حيث تواصلت معها أكثر من 100 قابلة شاركن تجاربهن مع ساعات عمل «طويلة للغاية». بعض هذه الشهادات، بحسب هازارد، كانت «مفجعة»، وتحدثت عن أذى حقيقي لحق بالقابلات والنساء على حد سواء.
وتوضح هازارد أن القابلات، لا سيما العاملات في المجتمع المحلي، يُطلب منهن العمل طوال النهار ثم يتم استدعاؤهن ليلًا، سواء لعمليات ولادة منزلية أو لسد النقص الحاد في الكوادر داخل وحدات المستشفيات.
وفي كثير من الحالات، لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، إذ يُتوقع من بعضهن العودة للعمل نهارًا في اليوم التالي دون راحة كافية.
مقارنة مع مهن أخرى حساسة
وتنتقد هازارد هذا الواقع، معتبرة أنه «غير إنساني وغير آمن»، خاصة عند مقارنته بمهن أخرى حساسة للسلامة مثل قيادة الحافلات والشاحنات، وقيادة القطارات، والطيران، ومراقبة الحركة الجوية، وهي مهن تخضع لقيود صارمة على عدد ساعات العمل وفترات الراحة.
وتدعو هازارد إلى فرض قيود قانونية مماثلة على القابلات، بما في ذلك ضمان حد أدنى لا يقل عن 11 ساعة راحة بين النوبات، مؤكدة أن مثل هذه الخطوة ستكون «تحولية» للمهنة، بعد الأذى الجسدي والنفسي الكبير الذي لحق بالقابلات نتيجة أنماط العمل الحالية.
وتكشف هازارد أنها تلقت عددًا مقلقًا من الشهادات لقابلات تعرضن لحوادث سيارات أثناء عودتهن إلى منازلهن بسبب الإرهاق الشديد، وأخريات اعترفن بوقوع أخطاء غير مقصودة ألحقت أذى بالنساء أو الرضّع، بعدما طُلب منهن مواصلة العمل رغم علمهن بعدم قدرتهن الجسدية على ذلك.
وتضيف أن فرض قيود واضحة على ساعات العمل لن يحمي القابلات فحسب، بل سيمنح النساء الثقة بأن من يقدمن لهن الرعاية يتمتعن بالجاهزية والتركيز والدعم اللازمين لأداء مهامهن بأمان.
مغادرة المهنة تحت الضغط

رغم خضوع مهنة القبالة لقوانين تنظيم وقت العمل في بريطانيا، التي تحدد سقف العمل بـ48 ساعة أسبوعيًا وتفرض 11 ساعة راحة بين النوبات، تؤكد القابلات أن نوبات الاستدعاء والنقص المزمن في الكوادر يؤديان إلى تجاهل هذه القواعد بشكل متكرر.
وتروي ميلي*، وهي قابلة تبلغ من العمر 33 عامًا، كيف دفعتها ساعات العمل المفرطة إلى ترك المهنة.
ففي إحدى نوباتها بنظام العمل المرن، انتهت نوبتها عند الساعة 1:30 صباحًا، لكنها أُبلغت بأنها لا تستطيع المغادرة بسبب نقص الكوادر، لتواصل العمل ثماني ساعات إضافية دون نوم لأكثر من 24 ساعة.
وتصف تلك التجربة بأنها من أصعب اللحظات في حياتها، مشيرة إلى انهيارها النفسي أثناء أداء مهامها.
تحقيقات وضغوط متزايدة
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تخضع فيه خدمات الأمومة في بريطانيا لتدقيق متزايد، عقب تقرير قاسٍ كشف عن حالات تُركت فيها نساء «لينزفن حتى الموت» في الحمّامات، إضافة إلى وفيات رضّع كان من الممكن تجنبها داخل وحدات الأمومة التابعة لـهيئة الصحة الوطنية NHS.
في هذا الإطار، خلصت البارونة فاليري آموس، التي تقود التحقيق الوطني في خدمات الأمومة وحديثي الولادة، إلى أن التغييرات المطلوبة في هذا القطاع كانت «بطيئة للغاية» رغم كونها ضرورية وعاجلة.
وأشارت إلى مشكلات متكررة، من بينها عدم الاستماع للنساء، والتمييز ضد فئات معينة، ونقص المعلومات المقدمة لتمكين الأمهات من اتخاذ قرارات واعية بشأن رعايتهن.
ردود رسمية

من جانبها، قالت جيل والتون، الرئيسة التنفيذية للكلية الملكية للقابلات، إن العاملات في هذا القطاع يواجهن «ضغوطًا شديدة» ويعملن في ظروف «غير قابلة للاستدامة»، مؤكدة أن الرعاية الآمنة لا يمكن تحقيقها بطاقم مرهق ومثقل بالأعباء.
وأكدت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أن هناك حدودًا قانونية لساعات العمل لحماية الموظفين والمرضى، وأن أي تجاوز لها «غير مقبول»، مشيرة إلى إطلاق تحقيق مستقل وسريع لفهم المشكلات الجذرية في خدمات الأمومة.
كما شددت هيئة الصحة الوطنية NHS على أن شروط العمل تنص بوضوح على فترات الراحة وأنماط النوبات، مع توقع التزام الهيئات المحلية بها.
تم تغيير الأسماء حفاظًا على الخصوصية.
المصدر: الإندبندنت
اقرأ أيضًا:
- كيف ينبغي أن تجيب عن أكثر أسئلة مقابلات العمل شيوعًا: أخبرني عن نفسك؟
- تحذير من تداعيات استبدال مقابلات طالبي اللجوء باستبانة باللغة الإنجليزية
- رسالة مضربة عن الطعام من داخل الزنزانة إلى ضمير العالم
الرابط المختصر هنا ⬇
