العرب في بريطانيا | دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير"...

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم “يوركشاير”: طبيعة برية بلا قيود

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير": طبيعة برية بلا قيود
رؤى يوسف مايو 28, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في قلب الريف البريطاني، حيث تتداخل عراقة التاريخ الطبيعي مع سحر المغامرة، تبرز قمم “يوركشاير” الثلاث كوجهة مثالية لعشاق المسارات البرية والهروب من صخب المدن.

ورغم أن خطوط القطارات الشهيرة مثل (Leeds-Settle-Carlisle) تحظى بشهرة واسعة، إلا أن هناك مسارات وقطارات مباشرة وغير مستغلة تسرد حكاية أخرى من الاكتشاف.

في هذا الدليل، نأخذكم في رحلة استثنائية عبر السكك الحديدية نحو هضاب وممرات يوركشاير، حيث تمتد صخور الحجر الجيري كالمحيطات، وتتحول الطبيعة إلى لوحة فنية برية بلا قيود، لتوثيق تجربة فريدة تجمع بين متعة السير لمسافات طويلة وسحر التكوينات الجيولوجية النادرة.

1. محطة الانطلاق: قطار “يوركشاير ديلز إكسبلورر” المنسي

تبدأ الرحلة نحو هذه الطبيعة المفتوحة باكتشاف وسيلة نقل مميزة؛ فقد كانت هذه أول جولة سير جادة لي في فصل الربيع، حيث انطلقت رفقة اثنين من أصدقاء المشي مستخدمين قطاراً مباشراً لا يلقى ترويجاً كافياً، رغماً عن أنه يربط بسلاسة بين “روشديل” و”مانشستر” من جهة، والمتنزه الوطني والقمم الثلاث في يوركشاير من جهة أخرى.

وفي حين أن خدمة (Leeds-Settle-Carlisle) – التي احتفلت مؤخراً بمرور 150 عاماً على إطلاقها – تحظى بشهرة مستحقة، فإن خدمة “يوركشاير ديلز إكسبلورر” (Yorkshire Dales Explorer)، التي انطلقت في يونيو 2024، أقل شهرة بكثير وأقل تواتراً.

وتعمل القطارات بين محطة “مانشستر فيكتوريا” و”ستل” يوم السبت فقط، بمعدل رحلة واحدة صباحاً في كلا الاتجاهين، ورحلة أخرى في أواخر فترة بعد الظهر.

ترجلنا في محطة “هورتون إن ريبليسديل” (Horton-in-Ribblesdale)، وهي المحطة قبل الأخيرة من المحطة النهائية في “ريبلهيد” (Ribblehead) حيث يرتفع الجسر القوسي المهيب.

وتعد كلتا المحطتين خيارين رائعين للمتنزهين، لكن محطتنا أخذتنا على الفور إلى قلب القمم الثلاث؛ فكانت قمة “بين-ي-غينت” خلفنا ونحن نغادر الرصيف، بينما تقع قمة “إنجلبورو” أمامنا، وإلى الشمال في أقصى اليمين تلوح قمة “وهرنسايد”.

2. على مسار المغامرة: السير فوق قاع محيط قديم

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير": طبيعة برية بلا قيود
يوركشاير ديلز

بمجرد مغادرة القطار، تدرك معنى “الطبيعة البرية التي بلا قيود”.

هنا، يمتد الحجر الجيري على جنبات الطريق كأنه محيط داخلي واسع، وهو وصف دقيق بالنظر إلى أن هذه الصخور البيضاء المتلألئة تعود في أصلها السحيق إلى بقايا الشعاب المرجانية، والأصداف، وهياكل الكائنات البحرية الغابرة.

تقدمنا في مسيرنا بحذر، واضعين أقدامنا فوق الكتل الصخرية البارزة المعروفة بـ (Clints)، متجنبين الشقوق العميقة الفاصلة بينها والتي تُدعى (Grykes).

كان الطقس دافئاً وجافاً، وحتى لو لم يكن كذلك، فإن طبيعة الحجر الجيري تمتاز بتصريف المياه بشكل أفضل من معظم التضاريس الأخرى.

لفترة طويلة، بدا المشهد ممتداً، مسطحاً، ويحمل طابعاً من الغموض البصري الساحر، وفجأة، انهار هذا البحر الصخري كشلال لنجد أنفسنا عند حافة صدع هائل.

قد تثير كلمتا “يوركشاير ديلز” (Yorkshire Dales) في الأذهان صور القرى الوديعة وحقول الأغنام المحاطة بالأسوار الحجرية التقليدية، لكن المشهد هنا يبدو خاماً ووحشياً؛ إنه ذلك النوع من الممالك الطبيعية التي احتفى بها الشاعر “دبليو إتش أودن” في قصيدته (In Praise of Limestone – في مديح الحجر الجيري)، وهو النوع الذي يثير التأملات الجيولوجية والخواطر الداخلية.

وما زاد المشهد مهابة، هو أننا لم نكن سوى ثلاثة أشخاص فقط، ولا شيء آخر يشاركنا الأفق الممتد حتى أبعد الحدود.

3. التنقل الحر: تضاريس مفتوحة بين أريزونا وباتاغونيا

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير": طبيعة برية بلا قيود
(بيكسل)

كانت مهمتنا في هذا اليوم أقل مشقة من تسلق القمم بالكامل؛ إذ قررنا السير فوق الهضبة الواقعة بين القمم هبوطاً نحو بلدة “ستل” لتناول وجبة غداء دافئة.

ومع ذلك، ظلت الرحلة مغامرة بحد ذاتها، نظراً لوجود عدد قليل جداً من الممرات المحددة على تطبيق الخرائط (OS) – علماً أن الخريطة المطبوعة لهيئة المساحة هي (OL2) – ولكن بما أن هذه الأرض مفتوحة ومتاحة للعموم بلا قيود، فبإمكانك ابتكار مسارك الخاص.

استعنا بالرُّجُوم الصخرية (الكيرنز) لتوجيه مسارنا، صاعدين من رصيف المحطة الذي يرتفع حوالي 250 متراً إلى نقطة القياس المثلثية “موتون” (Moughton) عند ارتفاع 427 متراً، حيث حظينا بإطلالة بانورامية شاملة على قمم يوركشاير الثلاث وتلال “بولاند” إلى الجنوب والغرب.

هناك، سمعت أول طيور القبرة المذردة في هذا الموسم، بينما كان الهواء يمتلئ بنعيق الغربان المميز ذي النبرة الحلقية.

كانت الفجوات الأرضية (المخاريط الكارستية) تتخلل رصيف الحجر الجيري، مما تطلب تيقظاً شديداً، إلا أن العقبة الرئيسية الوحيدة تمثلت في النزول عبر الجروف الحادة (الندوب الصخرية)، حيث ينخفض الارتفاع فجأة لعشرات الأقدام.

عند جرف “لونغ سكار” (Long Scar)، توقفنا قليلاً لتحديد مسارنا وتأمل الحافة العمودية، وفي الأفق المتوسط، تراءت لنا صخور “نوربر الضالة” (Norber Erratics)؛ وهي عبارة عن أكثر من 100 كتلة صخرية ضخمة نقلتها الأنهار الجليدية منذ زمن بعيد واستقرت بشكل عشوائي فوق قرية “أوستويك”.

إن هذه الحافة تأسر الألباب بالفعل، ويمكن للمرء أن يتخيل هذا التكوين كأنه جرف بحري تحت الماء قبل آلاف السنين، أو صدع في سهول باتاغونيا، أو جزء صبغته طبيعة يوركشاير من “وادي النصب التذكاري” (Monument Valley) في ولاية أريزونا الأمريكية.

4. نهاية المسار: العودة إلى الحياة الريفية الدافئة

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير": طبيعة برية بلا قيود
قرية “فيزور” (Feizor)

تحول بقية الطريق تدريجياً إلى مساحات خضراء وزراعية ممتدة.

ومع وصولنا إلى ميلنا العاشر في هذه الرحلة، بدا الشعور بارتجاج الساقين أمراً مقبولاً بعد أن غادرنا الرصيف الصخري الوعر.

كان الثوم البري يتفتح، والحملان حديثة الولادة تغفو، ونبات النرجس البري ينبت حول قرية “فيزور” (Feizor) الصغيرة.

واصلنا السير متجاوزين تلتين صغيرتين، لنصل أخيراً إلى ضفاف نهر “ريبلو” (Ribble).

كانت بلدة “ستل” تعج براكبي الدراجات النارية، والمتسوقين، والسيّاح، لكن المطاعم كانت توفر ملاذاً دافئاً للمشروبات ووجبات الغداء المتأخرة، حيث استمتعنا بوجبات الفطائر الشهيرة بعد رحلة شاقة وممتعة.

ومن هناك، كان بإمكاننا إما استقلال القطار المتأخر للعودة أو ركوب الحافلة الصغيرة رقم 11 المتوجهة إلى “كليثرو”.

نصائح وتوجيهات لرحلتك القادمة بالقطار

دليلك للسفر بالقطار إلى قمم "يوركشاير": طبيعة برية بلا قيود
قمة بين-ي-غينت (Pen-y-ghent)

شكلت رحلتنا هذه مساراً مثالياً كأول نزهة طويلة لأولئك الراغبين في استعادة لياقتهم البدنية.

وإذا كنت ترغب في استخدام القطار لمحاولة تسلق القمم الثلاث كاملة، فإنني أوصي بتقسيم الرحلة على مدار عطلة نهاية الأسبوع كالتالي:

  • اليوم الأول: خذ القطار إلى محطة “هورتون”، ثم اسلك المسار نحو قمة “بين-ي-غينت” وتابع المشي حتى محطة “ريبلهيد”، وهو مسار يمتد لـ 10 أميال إجمالاً، ويشكل جولة نهارية ممتعة.
  • اليوم الثاني: يمكنك تسلق قمتي “وهرنسايد” و”إنجلبورو” لتغطي مسافة مماثلة، وتنتهي بك الرحلة عائداً إلى محطة “هورتون” لاستقلال قطار العودة.

(ملاحظة: تتوفر خيارات متعددة من مواقع التخييم ونزل المحطة “Station Inn” عند ريبلهيد).

خصائص القمم الثلاث لتحديد وجهتك:

  • بين-ي-غينت (Pen-y-ghent): كتلة ضخمة وحقيقية، ذات واجهة جنوبية شديدة الانحدار تتطلب بعض التسلق اليدوي الخفيف.
  • إنجلبورو (Ingleborough): تتخذ شكلاً مشابهاً للقمة الأولى، لكنها أكثر شُموخاً واتساعاً، وتبدو أشبه بالهضاب المستوية (Mesa) بقمّتها المسطحة.
  • وهرنسايد (Whernside): عبارة عن سلسلة تلال مرتفعة وممتدة تشبه ظهر الحوت، وهي الأعلى بينها.

تنبيه جوي مهم: تتميز هذه القمم بأنها تتحمل العبء الأكبر للرياح الغربية الباردة، وهي أعلى من أي مرتفعات مجاورة لها، ونتيجة لذلك، فإنها تخلق مناخاً مصغراً خاصاً بها (فقد يتساقط الجليد فوقها بينما يهطل المطر في الأسفل)؛ لذا، ضع تقلبات الطقس في الحسبان تماماً وتزود بالملابس المناسبة قبل الانطلاق في مغامرتك القادمة بالقطار.

المصدر:الجارديان


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا