العرب في بريطانيا | خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: جبهة جديدة...

1447 رجب 23 | 12 يناير 2026

خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: جبهة جديدة في مشروع الاستعمار الأمريكي لفلسطين

خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: جبهة جديدة في مشروع الاستعمار الأمريكي لفلسطين
جوزيف مسعد December 1, 2025

يُعاد إحياء مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحويل غزة إلى “ريفييرا” أمريكية تحت غطاء دولي، مواصلًا جهدًا استعماريًّا أمريكيًّا عمره قرون لابتلاع فلسطين.

في الـ 19 من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عمل جنود أمريكيون في مركز التنسيق المدني العسكري الجديد في كريات جات مع القوات الإسرائيلية؛ لمراقبة الهدنة في غزة، بعد يوم واحد من تبنّي مجلس الأمن خطة ترامب المزعومة لـ”السلام”.

اعتماد خطة ترامب لهذه الهدنة بوصفها “خطة سلام” كرّس الولايات المتحدة -إن لم يكن ترامب شخصيًّا- بوصفها السيد الاستعماري الجديد للأرض والشعب في غزة.

كان ترامب قد كشف للمرة الأولى عن نيته في شباط/فبراير الماضي، حين اقترح استحواذًا أمريكيًّا كاملًا على القطاع ضمن “مشروع استثماري”، وهي خطة وصفتها شبكة (CNN) الداعمة لإسرائيل بأنها «استعمار القرن الحادي والعشرين».

وبعد موجة تنديد دولية، تراجع مسؤولون أمريكيون عن أكثر بنود الخطة صراحة، مؤكدين أنه “لن تكون هناك قوات على الأرض” وأن أي “نقل للسكان” سيكون “مؤقتًا”.

غير أن ترامب سرعان ما أعاد تأكيد الخطة، مصرًّا على فرض السيطرة الأمريكية على غزة. وبعد أشهر، يأتي تفويضه الأممي الجديد ليعيد إنتاج اقتراحه الأصلي تحت قناع “خطة سلام”.

خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: جبهة جديدة في مشروع الاستعمار الأمريكي لفلسطين
تبنى مجلس الأمن المقترح الأمريكي حول غزة

لم يجلب تنصيب الولايات المتحدة قوةً استعمارية جديدة على فلسطينيي غزة دعم الأنظمة العربية والإسلامية المتعاونة مع واشنطن فحسب، ولا دعم سلطة الحكم الذاتي المتعاونة، بل حقق أيضًا تأييد النظام الجزائري -المستعمرة الاستيطانية السابقة- الذي يبدو متحمسًا للانضمام إلى نادي الدول العربية التابعة لأمريكا.

كما بدا أن روسيا والصين، اللتين امتنعتا عن التصويت، لا تكترثان لمصير الفلسطينيين.

ومع ذلك، فإن هذا الترتيب ليس جديدًا. إنه استمرار لمشروع أمريكي طويل الأمد لابتلاع أرض الفلسطينيين، مشروع تعود جذوره إلى بدايات القرن التاسع عشر.

الحملات الصليبية الأمريكية

أُرسل المبشرون الأمريكيون إلى فلسطين عام 1821، لكنهم لم يمكثوا طويلًا؛ بسبب منافسة البعثات البروتستانتية البريطانية، فانتقلوا إلى سوريا ولبنان عام 1844.

وبالتوازي مع خطط أوروبية بروح صليبية جديدة لاستعادة فلسطين، انضم الأمريكيون البروتستانت إلى ما عرف بـ“الحملة الصليبية السلمية”، وأسسوا مستعمرات زراعية في يافا؛ انتظارًا لعودة المسيح الثانية.

عارض الفلسطينيون المستوطنين، ما دفع العثمانيين للاحتجاج لدى الوزير الأمريكي بأن “الأهالي يُطردون من حقولهم على يد مستعمرة من اليانكي”.

سعى هؤلاء المبشرون إلى تحويل آلاف اليهود الليتوانيين الذين هاجروا حديثًا إلى فلسطين، وإلى تعليمهم الزراعة، لكنهم -بحسَب وصفهم- وجدوا هؤلاء “كسالى” وغير راغبين في التحول.

واستقرت مجموعة من طائفة أدفنتيي اليوم السابع (الميلريين) في بيت لحم عام 1851، إلى جانب مستوطنين أوروبيين في قرية أرطاس. وانتقلوا لاحقًا إلى يافا، وأسسوا مستعمرة “جبل الأمل” ذات العمر القصير.

وفي عام 1854، أسّس آل ديكسون “المستعمرة التبشيرية الأمريكية” في يافا، التي واجهت مقاومة فلسطينية. وبعد هجوم أدى إلى مقتل عدد من أفرادها عام 1858، عاد الباقون إلى ماساتشوستس. وردًّا على ذلك، أرسلت الولايات المتحدة الفرقاطة “واباش” إلى شواطئ فلسطين؛ للضغط على العثمانيين لملاحقة الفاعلين.

وفي عام 1866، وصل مزارعون وحرفيون أمريكيون من ولاية ماين لتأسيس مستعمرة جديدة في يافا. كانت “مستعمرة آدامز” -نسبةً إلى زعيمها الإنجيلي المتطرف، المورموني السابق جورج واشنطن جوشوا آدامز- تضم 156 عضوًا. والتقى آدامز الرئيس أندرو جونسون طالبًا دعمه لدى العثمانيين لمشروع الاستيطان الأمريكي في فلسطين، معتبرًا أن استعمار فلسطين امتداد لاستعمار الولايات المتحدة لأراضي السكان الأصليين.

لكن الفلسطينيين قاوموا الاستيطان، واحتج العثمانيون مجددًا على طرد “الأهالي” من أراضيهم. وانتهت المستعمرة إلى الفشل بسبب الديون، وغادر آدامز بعد عامين. لم يبقَ سوى 26 مستوطنًا أمريكيًّا في فلسطين.

وكان آخر المستوطنين الإنجيليين الأمريكيين الذين سعوا إلى استعمار فلسطين قد وصلوا عام 1881، بقيادة هوراشيو وآنا سبافورد من شيكاغو. وانضم إليهم 55 بروتستانتيًّا سويديًّا عام 1896، ليبلغ عددهم 150 مع مطلع القرن العشرين. وعلى عكس سابقاتها، استمرت مستعمرتهم حتى أواخر الخمسينيات.

الانتداب الأمريكي

مع نهاية الحرب العالمية الأولى، طُرحت مقترحات بأن تتولى الولايات المتحدة انتداب فلسطين.

وفي حزيران/يونيو 1919، وصلت لجنة كينغ–كرين إلى فلسطين للتحقيق في رغبات الشعوب في الأناضول وسوريا ولبنان وفلسطين، في محاولة للحد من الصراع البريطاني الفرنسي.

في فلسطين، التقت اللجنة بعشرات الفلسطينيين من الجمعيات الإسلامية المسيحية، التي أُسِّست بعد الحرب لمعارضة الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني.

وطالب الجميع باستقلال فلسطين، ودعا الشباب الوطنيون إلى توحيدها مع سوريا. ورفض جميع الفلسطينيين الذين قُوبلوا الاستيطان الصهيوني رفضًا قاطعًا.

ورفعت اللجنة تقريرها إلى مؤتمر باريس للسلام في آب/أغسطس 1919، مؤكدة أن الفلسطينيين يريدون الاستقلال، لكنها ادعت أنهم “غير جاهزين بعد”، وأن خيارهم الثاني هو انتداب أمريكي ببرلمان منتخب.

لكن التقرير رُفض؛ إذ تجاهلته بريطانيا وفرنسا، وكذلك الرئيس ويلسون. ولم يُنشر إلا عام 1922، بعد تأييد الكونغرس لإعلان بلفور.

أثار احتمال دور أمريكي مباشر قلق الصهاينة، الذين اعترضوا بشدة؛ خوفًا من أن يُحكم الفلسطينيون حكمًا ديمقراطيًّا لا استبداديًّا كما أراد البريطانيون.

وتجاهل الصهاينة عمدًا حقيقة أن “الديمقراطية الأمريكية” نفسها كانت تستثني السكان الأصليين والسود، وأن ويلسون كان عنصريًّا وإمبرياليًّا.

ولم يتحقق الانتداب الأمريكي، لكن الولايات المتحدة كانت من هندس التصويت الأممي عام 1947 لتقسيم فلسطين، وهي أول من اعترف بإسرائيل ودعمها، وظلت راعيها الإمبراطوري الرئيس منذ 1967.

طموحات ليوبولد

خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: جبهة جديدة في مشروع الاستعمار الأمريكي لفلسطين
ليوبولد الثاني ملك بلجيكا فترة احتلال الكونغو

ترتكز طموحات ترامب الاستعمارية الجديدة في فلسطين لا إلى الدور الإمبراطوري الأمريكي الأشمل فحسب، بل أيضًا إلى سلطته الشخصية.

نصّب ترامب نفسه رئيسًا لـ“مجلس السلام”، الهيئة الانتقالية التي ستدير غزة وتشرف على قوات حفظ السلام المتعددة الجنسيات، ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين، وقوة شرطة محلية لعامين.

ودعا توني بلير، أحد أكثر السياسيين البريطانيين كراهية في العالم العربي، باستثناء قيادة السلطة الفلسطينية، والمصنَّف “مجرم حرب” لدوره في غزو العراق عام 2003، للانضمام إلى “مجلس السلام”.

وقد زار بلير الضفة الغربية مؤخرًا، والتقى حسين الشيخ -خليفة محمود عباس المعيّن- للتنسيق بشأن تنفيذ خطط ترامب لغزة.

ويتضمن تفويض ترامب صلاحيات واسعة لـ“أي مهمات إضافية لتنفيذ الخطة الشاملة”.

وقارن كريغ موخيبر، المدير السابق لمكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان في نيويورك، دور ترامب بدور الملك ليوبولد الثاني في الكونغو.

ولم يُخطئ؛ فليوبولد الثاني أنشأ “جمعية الكونغو الدولية”، واستولى على الكونغو كملك شخصي، وفرض نظام عمل للسُّخرة ونهب الثروات، وأدى حكمه إلى قتل نحو 10 ملايين شخص.

وكان قطع الأيدي من أسوأ الجرائم الاستعمارية في الكونغو لمعاقبة من لا يحقق حصص إنتاج المطاط.

ماذا بعد؟

خطة ترامب لاستعمار غزة
خطة ترامب المدعومة من الأمم المتحدة: فصل جديد في مشروع الاستعمار الأمريكي لفلسطين

لا تزال خطط ترامب تجاه فلسطينيي غزة بعد الإبادة الجماعية غير واضحة، في ظل دعواته المتكررة إلى ترحيلهم، وفي ضوء الرحلات “الغامضة” التي نُقل فيها فلسطينيون إلى جنوب إفريقيا.

وإذا كان هذا هو واقع “وقف إطلاق النار” الذي يحتفي به ترامب -حيث تواصل إسرائيل قصف غزة يوميًّا وتقتل المئات، فضلًا عن عملياتها في الضفة الغربية وجنوب لبنان وسوريا- فكيف سيبدو “السلام” تحت حكمه المباشر؟

إن مشاركة الولايات المتحدة (وترامب شخصيًّا) في الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين توحي بأن ما ينتظر الفلسطينيين لن يكون بعيدًا عن مصير الكونغوليين تحت حكم ليوبولد.

من بين الناجين من الإبادة، فقد 6,000 فلسطيني طرفًا واحدًا على الأقل، بينهم 4,000 طفل، إضافة إلى الآلاف من مبتوري الأطراف في حروب إسرائيل السابقة.

ولا يُعرف ما إذا كان الفلسطينيون عليهم أن يتوقعوا المزيد وفق التقليد الليوبولدي والإسرائيلي؛ فبينما سُرق المطاط من الكونغوليين، تبدو شهية ترامب أكبر للنفط والغاز قبالة سواحل غزة، إضافة إلى مشروعه العقاري.

يبقى العامل الوحيد غير المحسوب في هذه “الخدعة السلمية”، التي منحها مجلس الأمن شرعية دولية، هو استمرار نضال الفلسطينيين في غزة وصمودهم؛ ذلك الصمود الذي لم يخفت رغم أكثر من عامين من الوحشية الإسرائيلية.

المصدر:ميدل إيست آي


اقرأ أيضاً

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

 

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة