خبراء الأرصاد: موجات الحر والبرد الشديدة أصبحت نمطًا طبيعيًا في بريطانيا
تشهد المملكة المتحدة تحولات مناخية متسارعة، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن هيئة الأرصاد الجوية البريطانية (Met Office)، الذي حذّر من أن البلاد باتت تُسجّل أرقامًا قياسية في درجات الحرارة وكميات الأمطار بوتيرة متزايدة، نتيجة الاحترار العالمي المتصاعد.
ويشير التقرير إلى أن مناخ بريطانيا أصبح “مختلفًا بشكل ملحوظ” عمّا كان عليه قبل بضعة عقود فقط، إذ تزايدت الأيام شديدة الحرارة وتقلّصت الليالي الباردة، بما يسلّط الضوء على مدى تأثير الانبعاثات الكثيفة للغازات الدفيئة على المناخ المحلي.
في عام 2024، سجّلت المملكة ثاني أكثر شهر فبراير دفئًا في تاريخها، وأكثر شهر مايو حرارة، وربيعًا هو الأكثر دفئًا على الإطلاق، إلى جانب خامس أكثر ديسمبر وشتاء دفئًا منذ بدء السجلات المناخية في عام 1884. وتشير الهيئة إلى أن بعض هذه الأرقام القياسية قد تحطّمت بالفعل في عام 2025.
وتزامنًا مع ثالث موجة حر تشهدها البلاد هذا الصيف، امتدت درجات الحرارة المرتفعة لتشمل ويلز، وإيرلندا الشمالية، واسكتلندا، إلى جانب جنوب إنجلترا. وفي يوركشاير، فُرض أول حظر لاستخدام خراطيم المياه لهذا العام، عقب تسجيل أكثر شهر يونيو حرارة في تاريخ البلاد، والذي تلاه ربيع يُعدّ الأكثر جفافًا وشمسًا منذ 132 عامًا.
وقد أعلنت وكالة البيئة رسميًا دخول مناطق مثل يوركشاير وشمال غرب إنجلترا في حالة جفاف منذ يونيو، في حين يُتوقع أن تُضاف مناطق أخرى إلى القائمة في الأيام المقبلة.
وقال مايك كيندون، خبير المناخ الرئيسي في الهيئة ومؤلف التقرير: “كل عام يمر هو خطوة إضافية في مسار الاحترار المتصاعد، وملاحظاتنا تُظهر أن مناخ المملكة المتحدة قد تغيّر بالفعل عمّا كان عليه قبل عقود قليلة.”
الأمطار ترتفع… والفيضانات تتكرّر

رغم طبيعة بريطانيا الجغرافية التي تجعل طقسها متقلّبًا نظرًا لتقاطع كتل هوائية بين المحيط الأطلسي وأوروبا القارية، تؤكد هيئة الأرصاد أن البلاد لا تشهد فقط ارتفاعًا في درجات الحرارة، بل ازديادًا ملحوظًا في كميات الأمطار، خصوصًا خلال فصل الشتاء. فبين عامَي 2015 و2024، زادت الأمطار الشتوية بنسبة 16% مقارنةً بفترة 1961–1990.
ووفقًا للهيئة، ارتفعت درجات الحرارة في المملكة بمعدل 0.25 درجة مئوية لكل عقد، ما يجعل الفترة الممتدة من 2015 إلى 2024 أكثر دفئًا بـ1.24 درجة مئوية مقارنةً بالمتوسط التاريخي بين عامَي 1961 و1990.
كما أظهرت السجلات أن السنوات الثلاث الماضية كانت من بين السنوات الخمس الأكثر حرارة على الإطلاق، مع حلول عام 2024 في المرتبة الرابعة منذ بدء التوثيق الرسمي في عام 1884.
إلى جانب الحر، ساهمت العواصف والفيضانات في إحداث أسوأ الأضرار المرتبطة بالطقس خلال العام الماضي. فقد اجتاحت سلسلة من العواصف البلاد منذ خريف 2023، ما أدّى إلى فيضانات واسعة النطاق مطلع عام 2024، وجعل من فترة الشتاء بين أكتوبر ومارس الأكثر هطولًا للأمطار منذ أكثر من 250 عامًا.
ووفق التقرير، طالت الفيضانات مناطق مثل شرق اسكتلندا، وديربيشاير، ونوتنغهامشاير، ووست ميدلاندز، حيث سجّلت بعض المناطق ثلاثة إلى أربعة أضعاف متوسط الأمطار لشهر سبتمبر.
تسببت هذه الفيضانات، من بين أمثلة كثيرة، في إلغاء عروض مسرحية لفرقة شكسبير الملكية في ستراتفورد-أبون-آفون، وانهيار جدار في بلدة تينبري ويلز في ووسترشير.
ويؤكد البروفيسور ستيفن بيلشر، كبير علماء الأرصاد في الهيئة، أن المناخ البريطاني “سيواصل التغيّر”، مشددًا على ضرورة تأقلم البلاد لمواجهة ما تحمله العقود المقبلة من ظواهر مناخية متطرفة.
ولأول مرة، أشار التقرير إلى أن مستوى سطح البحر في المملكة المتحدة يرتفع بوتيرة أسرع من المعدل العالمي، ما يزيد من خطر التعرّض لعواصف بحرية مدمّرة، بحسب تحذيرات الدكتورة سفيتلانا ييفرييفا من المركز الوطني لعلوم المحيطات.
تأثيرات بيئية ملموسة: موسم تكاثر مبكر وحيوانات مهددة

تداعيات هذا التغيّر المناخي لم تقتصر على البشر، بل طالت الحياة البرية بشكل لافت. فقد شهد ربيع 2024 ظهور بيض الضفادع وبناء أعشاش طيور الشحرور في وقت أبكر من المعتاد، وهي مؤشرات على تغيّر “الظواهر الموسمية”، أي توقيت الأنشطة البيئية في الطبيعة.
وأشارت دراسات إلى أن حيوانات مثل القنافذ وفئران الزغبة – من الأنواع المهددة – تعاني من نقص الغذاء في الخريف، بسبب نضج الفواكه والمكسرات مبكرًا تحت تأثير الحر، ما يحرمها من فرص تخزين الدهون الضرورية لفصل الشتاء.
وفي مركز أبحاث “أليس هولت” القريب من لندن، تُجرى تجارب على أنواع مختلفة من الأشجار لاختبار مدى قدرتها على الصمود أمام موجات الحر والجفاف. وتشير النتائج إلى أن العديد من أنواع الأشجار الأصلية في المملكة قد لا تصمد في وجه مناخ المستقبل، في حين أظهرت أشجار السيكويا الساحلية القادمة من كاليفورنيا قدرة أكبر على التكيّف، وربما تصبح مشهدًا مألوفًا في غابات بريطانيا مستقبلًا.
في ظل هذه التحوّلات المناخية المتسارعة، لم تعد المملكة المتحدة فقط أمام تحديات طارئة بل أمام ملامح مستقبل يفرض إعادة التفكير في بنية البنية التحتية، وأولويات التخطيط الحضري، وطبيعة العلاقة مع البيئة. من واجب الحكومة والمجتمع المدني أن يستثمرا في مشاريع التكيّف والاستدامة، لا بوصفها ترفًا بيئيًا بل كضرورة وطنية لحماية أرواح الناس، وضمان مستقبل الأجيال القادمة في وجه كوكبٍ تتسارع حرارته… وتتعاظم أزماته.
المصدر بي بي سي نيوز
إقرأ أيضا
الرابط المختصر هنا ⬇
