العرب في بريطانيا | حين يُعيد القدر كتابة ما نظنّه مكتملاً

1447 شوال 15 | 03 أبريل 2026

حين يُعيد القدر كتابة ما نظنّه مكتملاً

حين يُعيد القدر كتابة ما نظنّه مكتملاً
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

ننشأ في الحياة ونحن نظنّ أنّ الطّريق واضح، وأنّ ملامح الغد مرسومةٌ بقدر ما نحلم ونخطّط. نكبر على يقينٍ داخليّ بأنّ الاجتهاد يقود إلى النّتائج، وأن الإصرار يفتح الأبواب، وأنّ القلب إذا تعلّق بشيءٍ ناله. نرسم لأنفسنا خرائط دقيقة: دراسةٌ تفضي إلى عمل، وعملٌ يقود إلى استقرار، واستقرارٌ يُتوَّج بحلمٍ طال انتظاره. نظنّ أن الحياة معادلةٌ عادلة، وأنّنا، ما دمنا نسير بخطى ثابتة، فلن يخذلنا الطّريق.

لكن، في لحظةٍ لا تخطر على البال، يتدخّل القدر؛ كقوّةٍ تُعيد ترتيب المشهد بأسره. فجأةً، يتبدّل الاتجاه، وتُمحى الخطوط الّتي رسمناها بعناية، وتتشعّب أمامنا مساراتٌ لم نكن نراها، أو لم نكن نرغب في رؤيتها أصلاً. هناك تبدأ الحكاية الحقيقية: حكاية الإنسان حين يواجه ما لم يختره، وحين يُدعى إلى خوض ما لم يُخطّط له.

كم من حلمٍ وُلد صغيراً في قلبٍ شغوف، ثم نما حتى غدا جزءاً من هوية صاحبه؟ وكم من طريقٍ سرنا فيه بيقينٍ كامل، قبل أن نُجبر على مفارقته؟ ليست المعضلة في أن الأحلام لا تتحقق دائماً، المعضلة في أن القلب يتعلّق بها كما لو كانت قدره النهائي. وعندما تأتي الحياة برأيٍ آخر، نشعر وكأن شيئاً في أعماقنا قد تصدّع.

في تلك اللحظات، لا يبدو القدر رحيماً. يبدو كأنه ينتزع منّا ما أحببنا، ويدفعنا إلى عتباتٍ غريبة لا نعرفها. تتزاحم في داخلنا مشاعر الضياع والغضب والحزن، وربما الخذلان. نسأل: لماذا؟ ولماذا الآن؟ ولماذا نحن؟ لكنّ الأسئلة، على كثرتها، لا تغيّر مجرى الواقع؛ ولكن تتركنا أمام حتميّته، عُزّلاً إلا من قدرتنا على المواجهة.

غير أنّ ما يغيب عنّا في خضمّ الألم، أن القدر لا يأتي دائماً ليسلب، ولكن ليُعيد التشكيل. نحن نتشبّث بالصورة التي رسمناها لأنفسنا، بينما تنفتح أمام القدر صورةٌ أوسع، أعمق، وربما أكثر صدقاً مع جوهرنا. نحن نخطّط وفق ما نعرف، أمّا هو فيمضي بنا عبر ما لا نعرف، نحو احتمالاتٍ لم تخطر لنا يوماً.

كم من خسارةٍ بدت نهاية، فإذا بها بدايةٌ أخرى في ثوبٍ مغاير؟ وكم من بابٍ أُغلق، ففتح في مقابله بابٌ لم نكن لنبحث عنه؟ إنّ بعض الحكايات لا تُفهم إلا بعد اكتمالها، حين نلتفت إلى الوراء، فنرى أن ما ظننّاه كسراً، كان في حقيقته إعادة بناء.

وليس يسيراً أن نتقبّل هذا المعنى ونحن في قلب التجربة. فالكلمات تخفت أمام وطأة الفقد أو الفشل أو التحوّل القسري. لكنّ الزمن، بما يحمله من تدرّجٍ خفيّ، يعلّم الإنسان أن الحياة لا تسير وفق رغباته دائماً، وأن المرونة ليست ضعفاً، وإنّما شرطٌ للبقاء. يتعلّم أن يُمسك بخيوط ما تبقّى، وأن يعيد نسج ذاته بخبرةٍ أعمق ونَفَسٍ أطول.

ربما يكمن السرّ في أن نعيش الحلم، لا أن نستعبد له. أن نسعى، دون أن نربط قيمتنا بنتائجه. أن نحبّ ما نرجوه، دون أن ننهار إن تغيّر. أن نؤمن بقدرتنا على البدء من جديد، مهما كانت الخاتمة السابقة قاسية.

القدر لا يستأذن. يأتي في وقته، ويضعنا أمام خيارٍ واحد: أن نخاصمه فننزف، أو أن نحاوره فننضج. وليس الفهم هنا استسلاماً أعمى، هو وعيٌ بأن ما يحدث لنا، رغم قسوته، قد ينطوي على فرصةٍ مستترة، لا تُرى إلا بعد حين.

ننشأ ونحن نظنّ أننا نصنع حياتنا كاملة، ثم نكتشف أننا نشارك في صناعتها فحسب. لنا قراراتنا، اختياراتنا، وأحلامنا؛ وللقدر توقيته، وظروفه، ومآلاته. وبين هذين الحدّين، تتشكّل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تعقيدٍ وجمال.

قد لا نبلغ ما أردناه، لكننا قد نصير ما لم نتخيّله. قد نفقد طريقاً، لكننا نعثر على ذواتنا. وقد نُجبر على التخلّي، لكننا نتعلّم كيف نحمل الأثقل: القدرة على الاستمرار.

في النهاية، لا يكون السؤال: هل نلنا ما أردنا؟ يغدو سؤالنا: ماذا فعلنا حين لم ننله؟ هل انكسرنا، أم تبدّلنا؟ هل توقّفنا، أم بدأنا من جديد؟

أمّا الحياة، فهي ليست نصّاً نكتبه وحدنا، فهي حوارٌ مفتوح بين إرادتنا والقدر. ومهما حاولنا إحكام السطور، ستبقى هناك جملةٌ لم نكتبها، لكنها كُتبت لنا. قد لا نفهمها حينها، وربما نقاومها، لكننا—مع الوقت—نكتشف أنها كانت جزءاً من معنىً أكبر… معنىً ما كان ليكتمل لو سارت الحكاية كما أردنا فقط.

وهكذا نمضي: نحلم، ونسعى، ونخسر، ونتعلّم. نرسم، ثم نعيد الرسم. نخطّط، ثم نتكيّف. وبين كل ذلك، ننضج. لا لأن الحياة منحتنا ما تمنّينا، وإنّما لأنّها وهبتنا ما يجعلنا أعمق فهماً لأنفسنا، وأكثر قدرةً على احتمالها.

ننشأ من الحياة شيئاً، نعم… لكن للقدر دائماً كلمته الأخيرة.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا