العرب في بريطانيا | حين نُفرِط في تحليل النّاس ونُهمل الحياة

1447 شعبان 6 | 25 يناير 2026

حين نُفرِط في تحليل النّاس ونُهمل الحياة

الحياة
أميرة عليان تبلو December 27, 2025

يتسارع كلّ شيءٍ في هذا الزمن، حيث أنّه قد بات كثيرون يعيشون خارج ذواتهم؛ لأنّهم غارقون في تحليل الآخرين: نواياهم، أقوالهم، صمتهم، حركاتهم، وحتّى ما لم يقولوه أصلاً.

نُمعن في الظّنّ، ونبني قصصاً كاملةً على إشاراتٍ عابرةٍ، ثمّ نستهلك أعمارنا في حواراتٍ داخليّةٍ لا تُثمر إلّا القلق، بينما يتسرّب الوقت من بين أيدينا دون أن ننجز شيئاً يُذكر.

التّحليل في أصله نعمةٌ؛ هو أداة العقل لفهم العالم وتنظيم الفوضى. لكن حين يتحوّل إلى انغماسٍ مرضيٍّ في شؤون النّاس، يصبح عبئاً ثقيلاً على النّفس، وذريعةً مريحةً للهروب من مواجهة السّؤال الأهمّ: ماذا نفعل نحن بحياتنا؟

كثيرون يظنّون أنّ انشغالهم بتحليل الآخرين دليل وعيٍ وذكاء، بينما هو في الحقيقة شكلٌ من أشكال تعطيل الإرادة. فبدل أن نتّجه إلى الفعل، نغرق في التّأويل. وبدل أن نخطئ ونتعلّم، نفضّل مراقبة غيرنا، نحاكمهم في أذهاننا، ونصدر الأحكام، ثمّ نعود إلى نقطة الصّفر، فارغي اليدين، مثقّلي الرّأس.

الظنّ تحديداً هو أكثر ما يستنزف الطّاقة. لأنّ الظنّ يستند إلى فراغٍ نملؤه بما نشاء: خوف، شكّ، تجارب سابقة، أو إسقاطات شخصيّة. فنرى النّاس بعيون جراحنا لا بعيون الحقيقة. نحمّل كلماتهم ما لا تحتمل، ونفسّر صمتهم كعداء، ونجعل من تصرّفاتهم العاديّة رسائل مبطّنة موجهة إلينا. وهكذا نتحوّل إلى أسرى لعقولنا، نعيش صراعاتٍ لم تقع، ونخوض معارك وهميّةً، بينما الحياة الحقيقيّة تمضي بعيداً.

الأخطر من ذلك أنّ هذا الانغماس غالباً ما يكون بديلاً عن السّعي. فالعقل حين يتهرّب من العمل، يبحث عن انشغالٍ أقلّ كلفةً وأكثر إثارةً. تحليل الّناس لا يتطلّب شجاعةً، ولا مخاطرةً، ولا التزاماً طويل الأمد. هو نشاطٌ داخليٌّ، صامتٌ، يمنح شعوراً زائفاً بالامتلاء، بينما هو في العمق فراغ مؤجَّل.

كم من الوقت أضعناه ونحن نعيد التّفكير في موقفٍ قديمٍ، أو ننتظر تفسيراً لسلوك شخص ما، بدل أن نستثمر هذا الوقت في تعلّم مهارة، أو كتابة فكرة، أو بناء مشروع، أو حتّى في راحة صادقة؟ كم من الأحلام تأجّلت لأنّنا كنّا مشغولين بالسّؤال: ماذا قصد؟ ولماذا فعل؟ وكيف نظر؟

إن السّعي لا يحتاج إلى اكتمال الفهم، وإنّما إلى قرار. والّذين أنجزوا في هذه الحياة لم يكونوا أذكى النّاس بالضّرورة، لكنّهم كانوا أقلّ انشغالاً بالآخرين، وأكثر انغماساً في مساراتهم الخاصّة. فهم أدركوا باكراً أن النّاس سيبقون غامضين، وأنّ تفسيرهم الكامل وهم، وأنّ الوقت أثمن من أن يُهدر في فكّ شيفرات لا ضرورة لها.

ليس المطلوب أن نصبح بلا إحساس، ولا أن نتخلّى عن الفهم والوعي، المطلوب بالفعل أن نعيد توازن العلاقة بين التّفكير والفعل. أن نعرف متى نتوقّف عن التّحليل، ومتى نبدأ العمل. أن نسأل أنفسنا، عند كل دوّامة فكرية: هل سيغيّر هذا شيئاً؟ أم أنّه مجرّد استنزاف جديد؟

في النّهاية، الحياة لا تُكافئ أبرع المحللين، وإنّما أكثر السّاعين.

لا تنتظر أن تفهم النّاس كي تبدأ، ولا تؤجّل خطوتك التّالية حتّى يزول الشّكّ. افعل ما عليك، وامضِ في طريقك، واترك للنّاس حقّ أن يكونوا كما هم. فالوقت الّذي تقضيه في بناء نفسك، لن يضيع أبداً، أمّا الوقت الّذي تهدره في تحليل غيرك، فقد لا يعود.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة