حين ترى العيون وتعمى البصيرة: كيف يقود الغرور أصحاب القوة إلى الهلاك
في زحمة القرارات اليومية، الفردية والجماعية، يبرز مفهوم البصيرة بوصفه أعمق من مجرد الذكاء أو سرعة الفهم. البصيرة ليست معرفة سطحية بالوقائع، ولا قدرة تقنية على التحليل فقط، بل هي نور داخلي يمكّن الإنسان من رؤية المعاني والعواقب، وربط الأسباب بالمآلات، والتمييز بين الحق والباطل حتى عندما تتشابك المصالح وتتعقد الظروف. ومن دون هذه البصيرة، يصبح القرار—حتى لو بدا عقلانيًا—مجرّد مقامرة مؤجلة العواقب.
معنى البصيرة يتمثل في الوعي المتجاوز للحواس؛ فهي إدراك الحقيقة خلف الظاهر، وفهم السنن التي تحكم الحياة والإنسان. قد يرى الإنسان الحدث، لكنه لا يبصر دلالته. قد يسمع النصيحة، لكنه لا يعي عمقها. هنا يكمن الفرق بين من “يعرف” ومن “يبصر”. ولهذا، كثيرًا ما نرى أناسًا يمتلكون علمًا واسعًا، أو قوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، ومع ذلك يتخذون قرارات تقودهم إلى الهلاك. الخلل ليس في نقص المعلومات، بل في غياب البصيرة.
في اتخاذ القرار، تلعب البصيرة دور الميزان. القرار غير المبصر قد يحقق مكسبًا آنيًا، لكنه يزرع خسارة بعيدة. والبصيرة الحقيقية تُجبر صاحبها على سؤال مزعج: وإلى أين يقودني هذا الطريق؟ لا ماذا سأكسب الآن؟ وهنا تظهر إحدى أكبر نقاط العمى لدى البشر: الانبهار بالقوة. القوة—بكل أشكالها—تميل إلى تخدير البصيرة، لا إلى تقويتها. من يملك السلطة أو المال أو النفوذ يظن، غالبًا، أن الواقع سينحني لإرادته، وأن القوانين لا تنطبق عليه كما تنطبق على غيره. وهذا وهم قاتل.
إذا عمت البصيرة وفسدت، أي حين تصبح الرؤية الجماعية مشوهة، يتحول المجتمع بأكمله إلى كيان يسير بثقة نحو الهاوية. الأخطر أن هذا العمى لا يُدرك غالبًا إلا بعد فوات الأوان. فالغرور يمنح صاحبه شعورًا زائفًا باليقين، ويقنعه بأن التحذيرات مجرد أصوات حاسدة أو ضعيفة. وهنا يصبح الإنسان عدو نفسه، لا بسبب الجهل، بل بسبب الاستعلاء.
وأوضح مثال تاريخي على ذلك هو ما ذكره لنا القرآن الكريم عن فرعون. فرعون لم يكن جاهلًا، ولم يكن غافلًا عن الآيات التي رآها بعينيه. النص القرآني يصف مشهدًا صادمًا: معجزات واضحة، حقائق تتكرر، وإنذارات لا لبس فيها. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه المشاهد إلى بصيرة، بل إلى مزيد من العناد. لماذا؟ لأن الغرور سدّ منافذ الإدراك. فرعون لم ينكر الحقيقة لعدم وضوحها، بل لأن الاعتراف بها كان يعني سقوط صورة “الإله المتحكم” التي صنعها لنفسه.
اللافت هنا—وهذه نقطة يغفل عنها كثيرون—أن الغرق لم يكن مفاجئًا. الهلاك جاء بعد سلسلة طويلة من الفرص الضائعة للمراجعة. لكن غياب البصيرة جعل كل آية تُفسَّر تفسيرًا يخدم الغرور، لا الحقيقة. وهكذا، جُرَّ إلى نهايته جرًّا، لا قسرًا فقط، بل باختياره المتكرر للعمى. وهذه رسالة قاسية: المعجزة لا تنقذ من فقد البصيرة، كما أن المعرفة لا تحمي من السقوط إذا تحالف العقل مع الكِبر.
وهنا يجب أن نواجه الحقيقة المرَّة: هذه القصة لا تنتمي إلى الماضي. أنماط فرعون تتكرر اليوم بأسماء مختلفة. طغاة، مجرمون، أنظمة، بل وحتى أفراد في مواقع أقل سلطة، يسلكون المسار ذاته: قوة تولّد غرورًا، غرور يقتل البصيرة، وقرارات عمياء تنتهي بدمار شامل. الفرق الوحيد هو شكل المسرح، لا جوهر المأساة.
إن أردنا النجاة -كأفراد ومجتمعات- فعلينا أن نتعامل مع البصيرة كمسؤولية دينية و أخلاقية، لا كترف روحي. البصيرة تتطلب صلة بالله حقيقية و تواضعًا شجاعًا، واستعدادًا دائمًا لمراجعة الذات، والاعتراف بإمكانية الخطأ مهما بلغنا من قوة “قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ ” يوسف 108. السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل نملك القوة؟ بل: هل ما زلنا نملك البصيرة؟*
إن لم نتعلم من هذه السنن، فنحن لا نخطئ صدفة… بل نكرر الغرق بعينين مفتوحتين وبصيرة مغلقة.
اقرأ أيضًا:
- العنصرية بين جاهلية الأمس وتحديات اليوم: من مظاهرات لندن إلى رسالة الإسلام
- بين دمنا ودم غزة: لماذا لا يكفي التعاطف وحده؟
- لماذا يطول الابتلاء رغم الصبر والدعاء؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
