العرب في بريطانيا | حين تتكلم غزة… وتصمت كل الخطابات

حين تتكلم غزة… وتصمت كل الخطابات

غزة
ريم العتيبي December 21, 2025
شارك

خرجتُ من تلك الأمسية حاملةً مزيجًا من المشاعر لم أستطع ترتيبها بعد. في صدري خليط من وجعٍ صامت، وإعجاب، ودهشةٍ مؤلمة من قدرة الإنسان على الصمود وسط الركام دون أن ينكسر. قوة تجعلنا نخجل من أنفسنا أحيانًا، حين نقارن ثباتهن بترددنا، وصبرهن بضيقنا.

لم تكن أمسيةً عابرة، بل سيبقى أثرها محفورًا في الذاكرة. نعم، لم تكن ندوةً عادية، ولم تكن كلمات تُلقى على استحياء، بل كانت مساحةً لكشف الحقيقة من قلب المعاناة.

في قاعة جامعة SOAS في لندن، ارتفعت أصوات شابات فلسطينيات من غزة في أمسية وندوة نظّمها المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين، بالتعاون مع منصة العرب في بريطانيا. كانت أمسيةً للاستماع لا للخطابة، وللشهادة الحيّة لا للروايات الجاهزة.

كانت أصوات فتيات جامعيات من غزة يحملن العلم والوعي، لكنهن حملن قبل ذلك وجع المكان وثقل التجربة. لم يتحدثن من خلف نصوص مكتوبة، بل من قلب التجربة، من ذاكرة لا تزال تنزف، ومن واقعٍ يُعاش كل يوم تحت الحصار. كانت غزة حاضرة في وجوههن، وفي كلماتهن، وفي مشاعرهن؛ بصوت فتيات من تلك الأرض يسردن بصدقٍ وألم حياةً يصبح فيها الصبر ضرورة، والخوف رفيقًا، والفقد عادة.

مشاعر مختلطة من الحزن والفخر، من العجز والأمل؛ مشاعر لا تشبه بعضها أبدًا، لكنها اجتمعت في اللحظة ذاتها، وجعلت الحضور متأثرين. شعورٌ غريب: كيف يمكن للاختلاف أن يتعايش داخل القلب دون تناقض؟ في أصواتهن المرتجفة شجاعة لا تُقاس بأعمارهن، وإصرار واضح على عدم الاستسلام، وإصرار على إيصال رسالة واحدة للعالم:
نحن هنا، وما زلنا أحياء. نحن هنا، وسنبقى.
وسام شرف على صدور الشرفاء، وبصمة عار على كل متخاذل.

فتيات في قمة الرقة، حملن الحقيقة بجرأة، وتحدثن عن الإبادة وكأنهن يرفضن أن تُختصر قصصهن في كلماتٍ عابرة. كنّ شاهدات على زمنٍ يحاول طمس الذاكرة، فاخترن أن يكنّ الذاكرة نفسها. لم يكن حديثهن عن الألم فقط، بل عن الانتماء، وعن الكرامة، وعن معنى أن يتمسك الإنسان بإنسانيته حين يُسلب منه كل شيء.

خرجتُ وأنا أفكر: أيُّ قوة هذه التي تجعل الإنسان، رغم كل ما سُرق منه، يحتفظ بعزته؟ أدركتُ أن الغنى الحقيقي ليس شعارًا، بل واقعًا يُعاش؛ غنى بالانتماء، وبالكرامة، وبالقدرة على تحويل الألم إلى رسالة تُسطَّر في قلوب وعقول الجميع. وهذا ما تعلمناه من أهل غزة العزة، وما رسّخته تلك الفتيات في عقولنا وقلوبنا.

تلك الأمسية تركت فينا مسؤولية: مسؤولية أن لا يكون الاستماع نهاية الطريق، بل بدايته؛ أن تتحول الشهادة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل. لأن من سمع شهادةً حيّة ولم تتغير نظرته للعالم بعدها، عليه أن يراجع إنسانيته وضميره.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 9 May 2026
حساب على فيسبوك يحقق آلاف المشاهدات عبر ترويج مؤامرات ضد المسلمين باستخدام الذكاء الاصطناعي.. في مفاجأة صادمة، كشف #تقرير عن هوية الشخص الذي يقف وراء واحد من أكثر الحسابات تحريضًا ضد الإسلام، وما علاقة شركات التكنولوجيا الأمريكية بتسهيل وصول هذا…
𝕏 @alarabinuk · 9 May 2026
هل تعلم كيف ستؤثر التغييرات الجذرية في قوانين الهجرة على مستقبلك في بريطانيا؟ 🤔 بسبب سلسلة التحديثات الواسعة التي يشهدها نظام الهجرة في بريطانيا مؤخرًا، تنظم منظمة «أطلس فور هيومانيتي» (Atlas for Humanity) بالتعاون مع مبادرة «قومنا» (Qawmena) ندوة عامة…
𝕏 @alarabinuk · 9 May 2026
أظهرت النتائج النهائية للانتخابات المحلية في إنجلترا إعادة تشكيل جذرية للمشهد السياسي البريطاني بعد أن حقق حزب ريفورم اليميني المتطرف قفزة تاريخية غير مسبوقة بانتزاع 1453 مقعداً والسيطرة على 14 مجلساً محلياً في أكبر اختراق انتخابي منذ عقود بينما عاش…
𝕏 @alarabinuk · 9 May 2026
استقالة إنسانية مفاجئة.. مدير حملة التضامن مع فلسطين يغادر منصبه 🇵🇸 بعد 6 سنوات من قيادة الحراك التضامني في بريطانيا، أعلن بن جمال استقالته من إدارة حملة التضامن مع فلسطين (PSC) ليتفرغ لرعاية شريكته التي تواجه وضعًا صحيًا صعبًا بسبب…
عرض المزيد على X ←