حرب ترامب ونتنياهو على إيران: تأملات عربية في زمن الانكسار وصراع المنطقة
في لحظات الاضطراب الكبرى، حين تتزاحم الأخبار العاجلة وتتسارع الأحداث حتى يكاد الناس يفقدون القدرة على التقاط أنفاسهم، يصبح التأمل ضرورة لا رفاهية. نحن نعيش اليوم واحدة من تلك اللحظات الثقيلة في تاريخ منطقتنا؛ لحظة يُعاد فيها رسم المشهد الإقليمي تحت وطأة الحرب والتصعيد، وتختلط فيها المشاعر بين الغضب والخوف والأمل والمرارة.
وفي مثل هذه اللحظات، من المفيد أن نستحضر بعض الحقائق البسيطة التي قد تضيع وسط ضجيج الاصطفافات الحادة والاتهامات المتبادلة.
أول هذه الحقائق أن محاولة فرض رأي واحد على الجميع، أو دفع الناس إلى الاصطفاف في مسار فكري واحد، ليست سوى وهم. المجتمعات بطبيعتها متعددة، والوعي السياسي فيها يتشكل من تجارب مختلفة وقراءات متباينة للواقع. لذلك، فإن المساحات الرمادية واختلاف الرؤى ليست عيباً ينبغي القضاء عليه، بل هي جزء طبيعي من حياة الشعوب. وما ينبغي الحفاظ عليه في خضم هذا الاختلاف هو الحد الأدنى من الاحترام المتبادل، حتى لا تتحول الخلافات السياسية إلى قطيعة بين الناس.
لكن في المقابل، فإن تعدد الآراء لا يعني ضبابية في تحديد مصدر الخطر الأساسي الذي يهدد منطقتنا اليوم. فالتصعيد الحالي، الذي يضع الإقليم على حافة حرب واسعة، لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق عدوان واضح تقوده إسرائيل بدعم أمريكي مباشر. هذا التحالف العسكري والسياسي بين واشنطن وتل أبيب يتحمل المسؤولية الكاملة عن إدخال المنطقة في موجة جديدة من العنف وعدم الاستقرار.
لقد اعتادت إسرائيل، مدعومة بالقوة الأمريكية، أن تتصرف وكأنها فوق القانون الدولي وفوق إرادة شعوب المنطقة، وأن تستخدم تفوقها العسكري لفرض وقائع جديدة بالقوة. وما نشهده اليوم ليس إلا امتداداً لهذه السياسة التي لم تجلب للمنطقة سوى الحروب والدمار.
وسط هذه التطورات، يظل أمن الدول العربية – من الخليج إلى لبنان – قضية لا تقبل المساومة. فهذه الأرض ليست ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة، ولا يجوز أن تتحول مدن العرب وقراهم إلى أهداف عرضية لصواريخ أو ردود غير محسوبة. إن حماية المدنيين والحفاظ على استقرار البلدان العربية يجب أن يكون خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه تحت أي ظرف.
وقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الوجود العسكري الأجنبي الكثيف في منطقتنا لم يكن يوماً عاملاً للاستقرار الحقيقي. على العكس، فقد تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر دائم للتوتر، وذريعة تستغلها القوى المتصارعة لتبرير ضربات عسكرية جديدة. وهكذا تجد شعوب المنطقة نفسها تدفع ثمن صراع لم تختره، وتتحمل تبعات سياسات تُصاغ في عواصم بعيدة عنها.
ولعل من أكثر الحقائق وضوحاً في تاريخ المنطقة الحديث أن التقاء الإرادة الأمريكية والإسرائيلية في أي ملف إقليمي غالباً ما يعني أن العدالة غائبة عن المشهد. فحين تجتمع القوة العسكرية الهائلة مع منطق الهيمنة السياسية، تصبح القيم الإنسانية مجرد شعارات تُرفع في الخطابات، بينما تُفرض الوقائع الحقيقية بالقوة على الأرض.
من هنا يمكن فهم المشاعر التي تعتري كثيرين في منطقتنا عندما يرون أي رد يحدّ من غطرسة هذا التحالف أو يكسر شيئاً من تفوقه المطلق. فهذه المشاعر ليست بالضرورة تعبيراً عن اصطفاف أيديولوجي، بقدر ما هي انعكاس لحالة تراكمت فيها المظالم، ولرغبة عميقة في رؤية حدٍّ ما لسياسة القوة التي تمارسها حكومة بنيامين نتنياهو بدعم أمريكي مفتوح.
لكن في الوقت نفسه، فإن رفض العدوان على أي دولة في المنطقة، بما في ذلك إيران، لا ينبغي تفسيره على أنه تبنٍّ لسياسات تلك الدولة أو دفاع عن خياراتها. فموقف رفض الحرب هو موقف مبدئي قبل كل شيء، لأنه ينبع من إدراك أن توسيع رقعة الصراع لن يجلب لشعوب المنطقة سوى المزيد من الدمار والمعاناة.
ومن المؤلم أيضاً أن نرى أحياناً بعض الأصوات العربية تنجرف – بدافع الخصومات الإقليمية أو الحسابات الضيقة – نحو مواقف تصب عملياً في مصلحة إسرائيل، وتخفف عنها الضغط السياسي والأخلاقي الذي ينبغي أن تواجهه بسبب سياساتها العدوانية. فحين تتحول خلافاتنا البينية إلى سبب للتغاضي عن جرائم الاحتلال، فإننا لا نحل مشكلاتنا، بل نضيف إليها طبقة جديدة من التعقيد.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الجراح العميقة التي خلفتها الصراعات الطائفية والتدخلات الإقليمية في بعض بلداننا، خصوصاً في سوريا. هذه الجراح حقيقية، ومرارتها ما تزال حاضرة في ذاكرة كثيرين. ومن الطبيعي أن يشعر المتضررون منها برغبة عميقة في رؤية العدالة تتحقق.
لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عن الأذهان هي أن العدالة لا يمكن أن تأتي عبر تحالف مع الظلم الأكبر. فبنيامين نتنياهو وحكومته، التي قامت سياساتها على الاحتلال والحصار والعدوان، لا يمكن أن تكون يوماً أداة لتحقيق العدالة لأي شعب أو لإنصاف أي مظلوم.
إن الظالم لا يرفع ظلماً، بل يضاعفه.
وفي زمن الانكسارات الكبرى، ربما يكون أهم ما نحتاجه هو استعادة هذه البوصلة الأخلاقية البسيطة: أن نقف بوضوح ضد العدوان، وأن نرفض تحويل منطقتنا إلى ساحة دائمة للحروب، وأن نتمسك بحق شعوبنا في الأمن والكرامة، بعيداً عن هيمنة القوى التي لم تجلب لهذه المنطقة سوى مزيد من المآسي.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



