العرب في بريطانيا | جزيرة إبستين: حين تحوّل الانحطاط إلى نظامٍ محمي

1447 شعبان 20 | 08 فبراير 2026

جزيرة إبستين: حين تحوّل الانحطاط إلى نظامٍ محمي

إبستين

لم تكن جزيرة إبستين حدثاً عابراً في سجلّ الفضائح العالميّة، ولا زلّةً أخلاقيّةً يمكن احتواؤها ببيانٍ رسمي أو لجنة تحقيق مؤجّلة. كانت لحظة كشف كبرى، لحظة سقط فيها الادّعاء قبل الفعل، وانفصل الخطاب عن جوهره، وانفضح ما كان يُقدَّم طويلاً بوصفه حضارة مكتملة. جزيرةٌ صغيرةٌ في الجغرافيا، لكنّها هائلةٌ في الدّلالة، إذ لم تفضح فرداً، وإنّما فضحت منطقاً كاملاً، ولم تكشف انحرافاً شخصيّاً، ولكن عرّت نظاماً يعرف كيف يحمي نفسه حين تُرتكب الجريمة باسمه.

لقد تعوّد العالم الغربي أن يقدّم نفسه بوصفه المرجعيّة الأخلاقيّة العليا، الحارس الأخير لحقوق الإنسان، والمدافع الأوّل عن كرامة الجسد، وحماية الطّفولة، وسيادة القانون. غير أنّ الحضارة، حين تُختبر، لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، ولكن نعم، تُقاس بما تفعله حين تتعارض القيم مع المصالح. وجزيرة إبستين لم تكن أكثر من اختبارٍ أخلاقي بسيط، فشل فيه الخطاب فشلاً ذريعاً؛ لأنّ الصّمت الّذي تلا الفضيحة كان أعلى صوتاً من كلّ الخطب الّتي سبقتها.

الخطأ الأكبر ليس في الجريمة ذاتها؛ فالتّاريخ البشري طافح بالجرائم، وإنّما في الطّريقة الّتي أُديرت بها. فالجرائم الفرديّة تُدان، وتُحاكم، وتُطوى، أمّا ما جرى هناك فقد أُحيط بصمتٍ مدروس، وتباطؤٍ محسوب، وانتقائيةٍ فاضحة في تطبيق العدالة. وحين تتحوّل العدالة إلى مسألة توقيت، وتصبح الحقيقة عبئاً سياسيّاً، ويُعاد تعريف الضّحايا بوصفهم “ادعاءات”، نكون قد تجاوزنا مرحلة الانحراف ودخلنا مرحلة التواطؤ.

في تلك الجزيرة لم يُنتهك الجسد لأنّ شخصاً واحداً كان منحرفاً، لكن لأنّ المنظومة كلّها كانت مستعدّة لأن تغضّ الطّرف. الجسد هنا كان قابلاً للاستهلاك، وقابلاً للإخفاء، وقابلاً للنّسيان.

أمّا عن الأطفال، فلم يكونوا أصحاب قضيّة بقدر ما كانوا تفصيلاً مزعجاً في مشهد أكبر، ولذلك لم تتحرّك الآلة الأخلاقيّة إلّا حين أصبح الصّمت مستحيلاً، لا حين كان الإنصاف واجباً.

الأخطر من الجريمة هو العدالة الانتقائية الّتي تلتها. فالعدالة الّتي تُسرّع خطاها نحو الضّعفاء، وتتعثّر عند أبواب النّفوذ، ليست عدالة عمياء كما يُقال، هي عدالة ترى جيداً وتختار أن تنحني. وهذا الانحناء هو اللّحظة الّتي تفقد فيها القوانين روحها، وتتحوّل من أدوات إنصاف إلى أدوات إدارة للأذى.

لم تسقط الحضارة الغربية في جزيرة إبستين لأنّها أخطأت، فالأمم لا تسقط بالأخطاء، ولكنّها سقطت لأنها برّرت، وخفّفت، وأجّلت، وراوغت، وحوّلت الفضيحة من سؤال أخلاقي إلى ملف إداري. سقطت لأنّها اختارت حماية صورتها بدل حماية ضحاياها، واختارت الحفاظ على توازنات السّلطة بدل الانحياز إلى العدالة.

بعد تلك الجزيرة، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: ماذا يعني ما حدث؟ يعني أنّ الحضارة الّتي لا تحمي الأضعف حين يكون الثّمن مرتفعاً هي قوّة منظّمة بلا ضمير. ويعني أن التّفوّق الأخلاقيّ الّذي يُستخدم لإدانة الآخرين لا يصمد أمام مرآة واحدة صادقة. ويعني أن القيم الّتي لا تُطبّق حين تُكلّف هي لغة ناعمة لإخفاء العنف.

جزيرة إبستين كانت في قلب العالم وصميم نظامه، وفي مركز صمته. هذه الجزيرة لم تُسقط الغرب بالحجارة، ولا بالخطابات المضادة، أسقطته بانعكاس يسير نحو الحقيقة، وهذا الانعكاس كان كافياً ليُظهر أنّ الحضارة الّتي تخفق في أبسط اختبار أخلاقي، لا تحتاج إلى أعداء كي تنهار؛ لأنّها تهدم نفسها بنفسها.

أمّا عن الانحطاط الأخلاقي الّذي أوضحه لنا ما سُرِّب، فلا يمكن قراءته على أنّه انفلاتٌ أخلاقيٌّ معزولٌ؛ لأنّ ما جرى لم يكن ممكناً أصلاً لولا شبكة حماية سياسية واقتصادية محكمة. فحين تُخفى الملفات، ويُعاد ترتيب الشهادات، ويُغلق التحقيق أو يُفرَّغ من مضمونه، فهذا لا يكون فشلاً إداريّاً، يكون قراراً سياديّاً مقصوداً. القيادات الّتي ادّعت الجهل كانت في موقع يسمح لها أن تعرف، والّتي ادّعت العجز كانت تمتلك القدرة، لكنّها اختارت الصّمت؛ لأنّ الحقيقة كانت تمسّ مصالحها، وتُحرج تحالفاتها، وتُهدّد توازنات نفوذها. ولو لم تكن تلك الجرائم مرتبطة بأسماء كبيرة ومواقع حسّاسة، لما بقيت الحقيقة مؤجّلة كلّ هذا الوقت، ولما خرجت الملفات الآن، بعد أن تغيّر ميزان القوة، لا بعد أن استيقظ الضمير.

بهذا المعنى، لا بدّ من القول بأنّ جزيرة إبستين فضيحةٌ أخلاقيّةٌ ودليلٌ سياسيٌّ على أنّ السّلطة حين تتعارض مع القيم، لا تتردّد في دفن القيم، وأنّ العدالة في الأنظمة المتغنّية بها ليست مبدأً مطلقاً، ولكن هي أداة تُستدعى حين تخدم، وتُعطَّل حين تُكلف. وما كُشف متأخراً ليس كلّ الحقيقة، بل الحدّ الّذي سُمِح له بالظّهور بعد أن أُغلقت الأبواب على ما هو أخطر.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

التعليقات

آخر فيديوهات القناة