جريمة تهز بريطانيا: كيف تحولت المتاجر الصغيرة إلى وكر لاستدراج الأطفال؟
هزّت جريمة اغتصاب ست فتيات قاصرات الرأي العام في بريطانيا، كاشفةً جانبًا مظلمًا من أنشطة إجرامية يُشتبه في أنها تتوارى خلف واجهات تجارية عادية في بعض الشوارع البريطانية. وأثارت القضية تساؤلات واسعة حول الدور الذي تلعبه بعض البقالات الصغيرة ومحال بيع السجائر الإلكترونية في استدراج الأطفال والقاصرين واستغلالهم.
وفي شارع هيكسثورب بمدينة دونكاستر، تتزايد مخاوف السكان بعد تداول شهادات تفيد بقيام بعض العاملين في متاجر محلية بتقديم السجائر الإلكترونية والكحول لفتيات قاصرات. ومع انتشار قصص وتحذيرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن استهداف فتيات من المنطقة، باتت الأسر المحلية تعيش حالة من القلق والترقب، وسط مطالبات بتشديد الرقابة وملاحقة المتورطين.
إدانات قضائية وملاحقات أمنية

هذا وقد قضت محكمة شيفيلد كراون العام الماضي بسجن باوان هاروي (28 عاماً)، عامل في إحدى البقالات المحلية، لمدة 29 عامًا بعد إدانته باغتصاب ست فتيات قاصرات خلال عام 2024.
واستمعت المحكمة إلى أدلة أظهرت أن المدان استغل صغر سن الضحايا، إذ كانت أصغرهن تبلغ 12 عامًا فقط، واستدرجهن إلى شقته الواقعة في شارع هيكسثورب عبر تقديم سجائر إلكترونية مجانية ومبالغ مالية. ووفقًا لملف القضية، قام لاحقًا بتقديم الكحول والمخدرات لهن قبل الاعتداء عليهن.
وأشارت التحقيقات إلى أن هاروي كان قد تقدم بطلب لجوء في المملكة المتحدة، غير أن وزارة الداخلية البريطانية امتنعت عن التعليق على وضعه القانوني استنادًا إلى اعتبارات قانونية وتشريعية.
وفي القضية ذاتها، أدانت المحكمة زميله السابق في العمل، شارام محمدي، بتهمة تسهيل السفر بغرض الاستغلال. ولا يزال محمدي متواريًا عن الأنظار، فيما تواصل الشرطة عمليات البحث والتحري للقبض عليه بعد فراره خلال سير المحاكمة.
تحقيقات تكشف أنشطة غير قانونية واسعة
ولم تقتصر تداعيات القضية على تفاصيل الجريمة نفسها، بل أعادت إلى الواجهة مخاوف متزايدة بشأن الأنشطة غير القانونية المرتبطة ببعض البقالات الصغيرة ومحال بيع السجائر الإلكترونية في بريطانيا. فقد كشفت تحقيقات استقصائية أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) على مدى 18 شهرًا عن مخالفات خطيرة داخل عدد من هذه المتاجر، شملت بيع مخدرات بصورة علنية، إلى جانب شبهات تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال وغسل الأموال ومخالفات قوانين الهجرة.
وفي شارع هيكسثورب، حيث وقعت الجريمة، قال عدد من السكان إنهم شعروا بالصدمة إزاء تفاصيل القضية، لكنهم لم يستغربوا وقوعها في منطقة تعاني منذ سنوات من مشكلات اجتماعية واقتصادية متراكمة. ويعد الحي من أكثر مناطق دونكاستر حرمانًا، كما يشهد انتشارًا ملحوظًا للبقالات الصغيرة والمتاجر التي تعرضت مرارًا لاتهامات ببيع منتجات تبغ وسجائر إلكترونية غير قانونية.
ويرى سكان محليون أن انتشار التجارة غير المشروعة، ولا سيما بيع منتجات التبغ المهربة والمخالفة للقانون، أسهم في تفاقم مشكلات الجريمة والسلوكيات المضرة بالمجتمع، وهي ظاهرة يقولون إنها لم تعد مقتصرة على دونكاستر، بل باتت تتكرر في عدد من الشوارع التجارية بمختلف أنحاء بريطانيا.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن إحدى سكان المنطقة قولها إن الأوضاع في الشارع “أصبحت خارج نطاق السيطرة”، مشيرة إلى أنها واجهت المتهم في وقت سابق بشأن بيع منتجات تبغ غير قانونية، وهددته بإبلاغ الشرطة، إلا أنه أبدى، بحسب روايتها، استخفافًا واضحًا بإمكانية ملاحقته.
كما أعرب أصحاب أعمال محليون عن استيائهم من استمرار المخالفات رغم الشكاوى المتكررة للجهات المختصة. وأكد أحدهم أنه أبلغ مجلس بلدية دونكاستر مرارًا بشأن ممارسات المتجر، بما في ذلك بيع منتجات محظورة والبيع للقاصرين وارتباطه بمظاهر السلوك المناهض للمجتمع. وأضاف أن المتجر تعرض لعدد من عمليات التفتيش والمداهمة، لكنه كان يستأنف نشاطه بعد انتهائها، الأمر الذي عزز شعور السكان بالإحباط ودفعهم للمطالبة بإجراءات أكثر صرامة بحق المنشآت المخالفة.
خيوط خفية وتحقيقات سرية

وتتواصل التساؤلات بشأن مدى فاعلية إجراءات الرقابة والإنفاذ التي استهدفت المتجر خلال السنوات الماضية. فقد أكدت شرطة جنوب يوركشاير أنها كانت على دراية بالمداهمات والإجراءات التنظيمية التي نُفذت سابقًا داخل متجر “هيكسثورب ميني ماركت”، فيما امتنع مجلس مدينة دونكاستر عن التعليق على القضية نظرًا لاستمرار التحقيقات.
وكشفت تحقيقات استقصائية سرية عن استمرار تداول منتجات مخالفة للقانون في المنطقة؛ إذ تمكن باحثون من شراء علبة سجائر مقلدة تضم 20 سيجارة مقابل 4 باوند فقط من المتجر ذاته، كما رصدوا بيع منتجات تبغ غير قانونية في متجر آخر يقع في الشارع نفسه. كما سلطت المحاكمة الضوء على شبكة العلاقات المحيطة بالمتهمين. فقد استمعت هيئة المحلفين إلى إفادات تفيد بأن شخصًا يدعى “كارزان” تولى ترتيب فرص العمل والسكن لكل من باوان هاروي وشارام محمدي، حيث أقاما في شقة قريبة من موقع المتجر. ورغم تكرار ورود الاسم في شهادات السكان والعاملين بالمنطقة، فإنه لا يظهر في السجلات الرسمية المرتبطة بإدارة المتجر.
وبحسب التحقيقات، يرتبط اسم “كارزان حسين” برخص تشغيل لشركتين أخريين في شارع هيكسثورب، كما حصل مؤخرًا على ترخيص لبيع الكحول من المجلس المحلي. وخلال اتصال هاتفي مع هيئة الإذاعة البريطانية، أقر حسين بأنه وفر فرصة عمل لمحمدي وقام بتأجير غرف سكنية للرجلين، لكنه أكد أنه لم يعد على صلة بإدارة المتجر، موضحًا أنه شغل منصب مديره في السابق فقط.
ونفى حسين أي علاقة له بتجارة التبغ غير القانونية أو أي معرفة بالجرائم التي أدين بها هاروي، مشددًا على عدم تورطه في الوقائع محل التحقيق. وحتى الآن، لم تكشف التحقيقات أو إجراءات المحاكمة عن أدلة تربطه بالاعتداءات أو تشير إلى علمه المسبق بالجرائم المرتكبة.
مطالب بتشديد الرقابة وتعديلات تشريعية مرتقبة
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع كشف وثائق وتقارير استخباراتية بريطانية تعود للفترة بين عامي 2019 و2024، تحذر من تعرض أطفال – بعضهم لا يتجاوز 11 عامًا – لخطر الاستغلال الجنسي بعد حصولهم على مخدرات أو كحول أو سجائر من بقالات صغيرة ومحال لبيع السجائر الإلكترونية في مناطق عدة، من بينها “غرب ميدلاندز”.
وفي هذا الإطار، أكد المحامي ديفيد جرينوود، المتخصص في الدفاع عن ضحايا الاستغلال الجنسي، أن هذه المتاجر شكلت لسنوات طويلة “نقطة عمياء مقلقة” بالنسبة للشرطة وأجهزة الرقابة المحلية، داعياً إلى ضرورة أن يشمل التحقيق الحكومي المستقل في قضايا استدراج الأطفال دور المتاجر الواقعة في الشوارع التجارية وإخضاعها لمزيد من التدقيق والرقابة الصارمة.
وعلى خلفية هذه التحقيقات المتواترة، أعلنت الحكومة البريطانية عن حزمة تعديلات قانونية جديدة تهدف إلى تسهيل وتبسيط إجراءات الإغلاق الفوري للمتاجر التي يثبت تورطها في بيع منتجات غير قانونية. ورغم ترحيب فرق معايير التجارة بهذه الخطوة، فإن الشكوك لا تزال تراود الكثير من سكان الشوارع المتضررة مثل شارع “هيكسثورب”، حيال قدرة السلطات على تفكيك نفوذ الشبكات الإجرامية التي تجذرت وتغلغلت في البنية التجارية لتلك المناطق على مدى سنوات.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇