جبر الخواطر عبادة صامتة تصنع أثرًا عميقًا في حياة الناس
في زحمة العبادات التي اعتدنا أن نقيسها بعدد الركعات أو بطول الدعاء، تغيب أحيانًا عبادة خفيفة على اللسان، عظيمة الأثر في الميزان: جبر الخواطر.
هي عبادة لا تحتاج إلى وقت، ولا مال، ولا جهد خارق، لكنها تحتاج قلبًا حاضرًا، وإنسانًا يرى غيره.
جبر الخاطر هو أن تقول كلمة طيبة في وقتٍ يحتاجها فيه الآخر، أن تبتسم حين يكون العبوس أسهل، أن ترى التعب في عيون من أمامك فلا تزيده ثقلًا. هو أن تختار اللين حين تملك القسوة، وأن تختار الرحمة حين تملك الحكم.
النبي ﷺ… مدرسة في جبر الخواطر
لم يكن رسولُ الله ﷺ يجبر خواطر الناس بالكلام فقط، بل بالفعل والموقف.
جبر خاطر الحسن والحسين حين أطال السجود لأنهما كانا على ظهره، فلم يقطع فرحتهما.
وجبر خاطر طفل آخر حين مات عصفوره، فواساه ولاطفه وسأله بلطف: “يا أبا عمير، ما فعل النغير”؟، فلم يستخف بحزنه، بل احترم ألمه وإن كان صغيرًا.
وجبر خاطر الضعيف حين كان يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما.
وجبر خاطر الحيوان حين نهى عن تحميله ما لا يطيق، وحذّر من حبسه أو تعذيبه، حتى إن الرحمة شملت كلبًا عطشانًا، فغفر الله لمن سقاه.
كان ﷺ يفهم أن الكائن الحي لا يحتاج دائمًا إلى موعظة، بل إلى رحمة.
لماذا لا نجبر خواطر بعضنا؟

نسأل أنفسنا:
لماذا نبخل بكلمة “شكرًا؟”
هل هي ثقيلة إلى هذا الحد؟
هل الثناء ينقص من قيمتنا أم يزيدنا إنسانية؟
في العمل مثلًا، المدير أو الأستاذ أو أي صاحب سلطة ناجح، ليس من يسلّط الضوء على الأخطاء فقط، بل من يرى الإنجاز قبل التقصير، ويقدّر الجهد قبل أن يحاسب على الهفوة. كلمة تقدير واحدة قد تصنع موظفًا مخلصًا، وتلميذًا مجتهدًا، وفكرة مبدعة، وطاقة جديدة. وهذا، قبل أن يكون علم إدارة، هو جبر خاطر.
بعض الناس يقول:
“أنا أعمل لوجه الله، لا أنتظر شكرًا من أحد”.
وهذا مقام عظيم، لكن الإخلاص في العمل لا يمنع انتظار كلمة شكر، ولا يمنعنا نحن من أن نشكر ونُجبر الخاطر.
وقد يكون من أمامك صابرًا بصمت، متعبًا من الداخل، يمر بأزمة لا يراها أحد. كلمة تقدير منك قد تكون سبب نجاته لا مجرّد مجاملة.
حين تطبخ الأم أو الزوجة، فهي لا تقدّم طعامًا فقط، بل وقتًا، وجهدًا، واهتمامًا، وانتظارًا لرأي يطمئن قلبها.
لماذا ننتظر أن نُسأل: “هل أعجبك الطعام”؟
لماذا لا نقول من تلقاء أنفسنا: “الله.. الطبق لذيذ، يسلم إيديك، تعبت، الله يرضى عليك…”
حتى إن لم يكن الطعام مثاليًّا، يمكن للكلمة أن تكون رحيمة. نبتعد عن الجرح، عن السخرية، عن النقد القاسي.
فالكلمة الصادقة اللطيفة لا تعني الكذب، بل تعني الحكمة.

أن تشجّع شخصًا فرح بإنجاز صغير.
أن تفرح لفرح غيرك دون غيرة.
أن تضيء على ما يفعله الناس جيدًا بدل أن تترصّد زلاتهم.
كل هذا جبر خاطر.
وكل هذا عبادة.
جبر الخواطر لا يحتاج إلى منصّة، ولا تصفيق، ولا شهود.
هو عبادة خفية، لكن الله لا يخفى عليه شيء.
وقد لا تعلم أبدًا كم نفسًا أصلحت، أو كم قلبًا أنقذت، أو كم دمعة منعت…
لكن يكفيك أن تعلم أن الله جابر القلوب، ويحب من يشبه هذا الاسم فعلًا لا قولًا.
فلنجبر الخواطر…
فلعل كلمة منك تغيّر حياة أحدهم،
ولعل الله يجبر بخاطرك يومًا حين لا يراك أحد.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇




شكرا يا خلود
بارك الله بك ووالديك
عادة اتابع تلخيصك للاخبار ولكن دعوتك هاته دليل قلب ونية صافية جزاك الله خيرا