تقرير: رجلان و72 مليون باوند.. هل يتحول ريفورم إلى حزب كبار الممولين؟
لم يعد تدفق 72 مليون باوند إلى خزائن حزب ريفورم خلال 24 ساعة مجرد قصة عن تبرعين قياسيين، بل أصبح جزءًا من تحول أوسع في طبيعة الحزب نفسه: من حركة احتجاجية تعتمد على شعبية نايجل فاراج وحماس المتطوعين، إلى تنظيم يمتلك الموارد اللازمة لبناء جهاز انتخابي واسع والاستعداد الجدي لمعركة الحكم.
لكن هذا التحول يحمل مفارقة سياسية واضحة. فالحزب الذي بنى جانبًا كبيرًا من خطابه على مهاجمة النخبة والمؤسسة التقليدية، حصل على أكبر دفعة مالية في تاريخه من رجلين فقط، هما بن ديلو وكريستوفر هاربورن، بقيمة 36 مليون باوند لكل منهما.
وتكشف تصريحات ضياء يوسف، المتحدث باسم الشؤون الداخلية في ريفورم، في مقابلة جديدة مع صحيفة تايمز، كيف يريد الحزب تحويل هذه الأموال إلى قوة تنظيمية وانتخابية، في وقت يستخدم فيه خصومه الأرقام نفسها للتساؤل عن مدى اعتماد «حزب الناس العاديين» على عدد محدود من كبار الممولين.
من مليارديرين إلى ماكينة انتخابية

تعطي الأموال الجديدة ريفورم قدرة لم تكن متاحة له خلال صعوده السابق، عندما اعتمد بدرجة كبيرة على فاراج وشعبيته الشخصية وشبكات المتطوعين والحملات المحلية.
ويعتزم الحزب استخدام جانب من التمويل في توظيف مئات العاملين وتوسيع فرق الحملات والبحوث والسياسات، بما يسمح له ببناء وجود أكثر تنظيمًا في الدوائر الانتخابية والاستعداد للانتخابات العامة المقبلة باعتباره حزبًا يطمح إلى تشكيل الحكومة.
وقدم ضياء يوسف هذه المرحلة باعتبارها انتقالًا من الاحتجاج إلى الاستعداد الفعلي للحكم، متحدثًا عن الحاجة إلى بناء جهاز سياسي وإداري قادر على العمل على مستوى الدولة، واستقطاب شخصيات ذات خبرة داخل المؤسسات إلى جانب الوجوه الجديدة.
واستخدم يوسف مفهوم «مقاومة الهشاشة» (Antifragile) الذي اشتهر به الكاتب نسيم نيقولا طالب، ليصف ريفورم بأنه حزب يزداد قوة كلما تعرض للضغط والأزمات، بدل أن يضعف تحت وطأتها.
هل يصبح «حزب الناس» حزب كبار الممولين؟
يرى خصوم ريفورم أن المشكلة لا تتعلق بمشروعية التبرعين، وإنما بحجم النفوذ الذي يستطيع عدد بالغ الصغر من الأثرياء الحصول عليه داخل النظام السياسي البريطاني.
وقد أعاد التبرعان طرح سؤال قديم بشأن العلاقة بين المال والسياسة: هل يسمح النظام الحالي لعدد محدود من الأفراد الأثرياء بشراء نفوذ سياسي يفوق بكثير ما يستطيع الناخب أو العضو العادي ممارسته؟
وتكتسب هذه الحجة حساسية إضافية بالنسبة إلى ريفورم، لأن الحزب يقدم نفسه بوصفه قوة مناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية، بينما تكشف بيانات التمويل عن اعتماد متزايد على كبار المتبرعين.
وبحسب تحليل لبيانات لجنة الانتخابات، كان بن ديلو وكريستوفر هاربورن وحدهما مسؤولين عن نسبة كبيرة من دخل الحزب المسجل من التبرعات خلال الفترة الأخيرة، كما تجاوز متوسط قيمة التبرعات التي تلقاها ريفورم نظيره لدى حزبي العمال والمحافظين بفارق كبير.
ويرفض الحزب هذه الانتقادات، ويؤكد أن التبرعات قانونية ولا تمنح أصحابها أي مقابل سياسي أو نفوذ خاص، كما يجادل بأن تلقي الأموال من رجال أعمال لا يختلف جوهريًا عن اعتماد أحزاب أخرى على النقابات أو شبكات تمويل مؤسسية.
المال يغير طبيعة الحزب

لكن القيمة الأهم للتبرعات لا تكمن فقط في حجمها، وإنما في قدرتها على تغيير طبيعة الحزب التنظيمية.
فامتلاك عشرات الملايين من الباوندات يعني القدرة على توظيف باحثين ومستشارين ومختصين في الحملات والبيانات والإعلام، وفتح مكاتب وبناء بنية ميدانية أكثر استقرارًا.
وهذا تحديدًا ما يفتقر إليه عادةً الحزب الاحتجاجي مقارنة بالأحزاب التقليدية التي تمتلك تاريخًا طويلًا من التنظيم المحلي والخبرة الإدارية.
ومن هذه الزاوية، قد تكون التبرعات نقطة تحول في مسار ريفورم؛ إذ تمنحه فرصة للانتقال من حزب يعتمد على الزخم الإعلامي وشخصية فاراج إلى مؤسسة سياسية أكثر استدامة.
لكن هذه العملية نفسها قد تغير صورته أمام الناخبين، خصوصًا إذا أصبح يُنظر إليه باعتباره حزبًا يعتمد بدرجة متزايدة على تمويل كبار الأثرياء.
سقف التبرعات يعود إلى الواجهة
أعادت الـ72 مليون باوند أيضًا إحياء النقاش بشأن وضع سقف قانوني لما يستطيع الفرد الواحد تقديمه إلى حزب سياسي.
وطالب سياسيون، خصوصًا من حزب العمال وحزب الخضر، بوضع حد أقصى سنوي للتبرعات، محذرين من أن القواعد الحالية تسمح للأثرياء بممارسة نفوذ غير متناسب على الحياة السياسية.
وطرحت مقترحات سابقة سقفًا عند 100 ألف باوند للمتبرع الواحد، وهو مستوى كان سيؤثر بصورة كبيرة على موارد ريفورم مقارنة ببعض منافسيه.
وبحسب تحليل سابق يستند إلى بيانات لجنة الانتخابات، كان فرض مثل هذا السقف سيحرم الحزب من نسبة كبيرة من التبرعات التي جمعها خلال عام سابق، ما يكشف مدى حساسية نموه المالي الحالي لأي تغيير محتمل في قواعد التمويل.
ويجادل ريفورم بأن مثل هذه القيود ستصب في مصلحة الأحزاب التقليدية التي تمتلك شبكات تمويل قديمة وواسعة، بينما يرى مؤيدو الإصلاح أن القضية تتعلق بمنع عدد محدود من أصحاب الثروات من امتلاك تأثير غير متناسب في النظام الديمقراطي.
معضلة ريفورم الجديدة
منحت التبرعات الضخمة ريفورم شيئًا كان يفتقر إليه خلال صعوده السريع: المال اللازم لبناء مؤسسة سياسية دائمة.
لكنها خلقت في المقابل معضلة جديدة للحزب. فكلما أصبح أكثر قدرة على منافسة العمال والمحافظين تنظيميًا وماليًا، أصبح من الصعب عليه الاحتفاظ بصورة الحركة الخارجة على المؤسسة.
ويختصر هذا التناقض التحدي المقبل أمام ريفورم: كيف يتحول من حركة احتجاج إلى حزب حكم دون أن يفقد الخطاب الشعبي الذي صنع صعوده، وكيف يقنع الناخبين بأنه يمثلهم بينما تأتي أكبر دفعاته المالية من عدد بالغ الصغر من كبار الممولين؟
المصدر : صحيفة تايمز، الغارديان، بيانات لجنة الانتخابات وتقارير صحفية بريطانية عن تمويل الأحزاب.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇