وثائق مسربة: شرطة لندن تنتهك إرشاداتها الخاصة لاعتقال متظاهرين مؤيدين لفلسطين
كشفت وثائق داخلية مسرّبة عن جدل متصاعد داخل بريطانيا بشأن طريقة تعامل شرطة العاصمة لندن مع التظاهرات المؤيدة لفلسطين، بعدما أظهرت أن بعض الاعتقالات جرت خلافاً للتوجيهات الرسمية نفسها. وتسلّط هذه التطورات الضوء على تساؤلات متزايدة عن مدى توظيف تفسيرات مرتبطة بقوانين مكافحة الإرهاب خارج سياقاتها الأصلية، وما إذا كان ذلك قد أسهم عملياً في تقييد مساحات التعبير السياسي والاحتجاج السلمي.
إرشادات داخلية تمنح مساحة للاحتجاج… وواقع ميداني مختلف

تُظهر الوثائق، التي كشف عنها موقع Declassified UK من خلال طلبات حرية المعلومات، أن شرطة العاصمة لندن قد أصدرت توجيهات داخلية لضباطها في تموز/يوليو 2025، بعد قرار الحكومة حظر حركة “بالستاين أكشن”، توضح أن الدعوة إلى رفع الحظر عن منظمة ما لا تُعد في حد ذاتها دليلاً على دعمها أو الانتماء إليها.
وجاء في هذه الإرشادات أن حمل لافتة تطالب بإلغاء تصنيف تنظيم محظور “لن يشكّل على الأرجح مخالفة قانونية بمفرده”، في إشارة إلى ضرورة النظر في السياق الكامل لأي تصرف قبل اتخاذ قرار الاعتقال.
غير أن روايات عدد من المتظاهرين تشير إلى أن هذه المعايير لم تُطبّق دائماً على الأرض، إذ تحدث بعضهم عن توقيفهم أو التحقيق معهم رغم عدم توجيه تهم رسمية لاحقاً.
اعتقال متكرر لمتقاعد بسبب لافتات سياسية
أفاد رجل متقاعد من شمال لندن إنه أُوقف ثلاث مرات منذ كانون الثاني/يناير بسبب حمله لافتات تدعو إلى رفع الحظر عن منظمات مثل حماس أو حزب الله أو “بالستاين أكشن”. وأوضح أنه لم يُتهم بأي جريمة في نهاية المطاف، لكن اعتقالاته المتكررة أثّرت على حياته اليومية وأدت إلى تقييد مشاركته في أنشطة تطوعية كان يكرّس لها معظم وقته.
وأضاف أن عناصر من وحدة مكافحة الإرهاب استجوبوه بشأن ما إذا كان على تواصل مع حركة حماس أو يعمل لصالحها، وهو ما نفاه تماماً، مؤكداً أن نشاطه يقتصر على التعبير السياسي والمشاركة المدنية.
القانون يقرّ بحق انتقاد قرارات الحظر

ينص القانون البريطاني على أن من حق المواطنين انتقاد قرارات الحكومة المتعلقة بحظر منظمات معينة أو المطالبة برفع هذا الحظر، وهو ما أكدته الشرطة في إرشاداتها. ومع ذلك، يظل تطبيق هذا المبدأ محل جدل، خاصة عندما تُفسَّر بعض الشعارات أو اللافتات باعتبارها دعماً غير مباشر لتنظيمات مصنفة.
وفي إحدى الحوادث التي أثارت الانتباه، أوقفت الشرطة متظاهرة خلال احتجاج في ساحة ترافالغار بموجب قانون الإرهاب بسبب لافتة رفعتها، قبل أن يتم الإفراج عنها دون توجيه اتهام.
تمييز ووصم ضد اللغة العربية
تكشف الوثائق أيضاً عن تحول في لهجة الإرشادات الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2025، والتي جاءت عقب هجمات استهدفت تجمعات يهودية في بريطانيا وأستراليا. فقد تضمنت النسخة الجديدة تحليلاً مفصلاً لاستخدام مصطلحات عربية في سياق الاحتجاج، من بينها كلمة “انتفاضة”، مع توجيه الضباط إلى تقييم السياق السياسي والأمني لهذه العبارات، فيما أعتبره مراقبون تمييز ووصم على أساس ثقافي ضد عبارات باللغة العربية باعتبارها تحمل دلالة عنيفة.
وبينما كانت الإرشادات السابقة تشير إلى أن استخدام المصطلح لا يشكل مخالفة إلا إذا تضمن دعوة صريحة للعنف، أوصت النسخة المحدثة بالتعامل بحزم مع شعارات مثل “عولمة الانتفاضة”، باعتبارها قد تُفسَّر على أنها تحريض أو دعم لأعمال عدائية.
كما طلبت التوجيهات من الضباط التدقيق في استخدام كلمات مثل “مقاومة” و“ثورة”، إذا رأت الشرطة أنها قد تُستخدم للدعوة إلى تدمير إسرائيل أو تبرير أعمال عنف، مع الإقرار بأن هذه المصطلحات قد تحمل معاني سياسية أوسع في سياقات أخرى.
مخاوف من تأثير “مخيف” على حرية الاحتجاج

يحذر منتقدون من أن هذه الصياغات قد تؤدي إلى خلق ما يُعرف بـ“الأثر المثبط”، حيث يتردد الأفراد في التعبير عن آرائهم خوفاً من الاعتقال أو التحقيق. كما يرى بعض خبراء الرقابة على أداء الشرطة أن الربط بين اللغة السياسية العربية وقوانين الإرهاب يثير إشكالات قانونية وثقافية، وقد يحد من مساحة النقاش العام وتحديد لغات مسموحة وأخرى ممنوعة من التداول العام.
الشرطة: ضغوط العمليات وتعقيد التقدير الميداني
من جانبها، أقرت شرطة لندن بأن بعض الأخطاء قد تحدث نتيجة ضغوط العمل واستدعاء عناصر من وحدات مختلفة للمساعدة في تأمين الاحتجاجات، وهو ما قد يؤدي إلى تفاوت في فهم التوجيهات أو تطبيقها. وأشار المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب إلى أن التمييز بين التعبير السياسي المشروع والدعم الفعلي لتنظيمات محظورة يمثل تحدياً عملياً في بيئة الاحتجاجات السريعة والمتقلبة.
ملف مفتوح بين الأمن والحقوق المدنية

وتُظهر مضامين الوثائق المسرّبة، وفق قراءات طرحها بعض المراقبين القانونيين والحقوقيين، مؤشرات على تباين في أنماط تطبيق القوانين المرتبطة بالأمن ومكافحة الإرهاب، بما قد ينعكس عملياً في تشديد القيود على أشكال معيّنة من الخطاب أو الرموز المرتبطة بالاحتجاج الداعم للقضية الفلسطينية، مقابل قدر أكبر من التساهل مع تعبيرات سياسية أخرى. ويرى هؤلاء أن هذا النهج قد يسهم في رسم إطار تفسيري يَصِم مفردات وسياقات ثقافية بعينها، ويؤثر في اتساع رقعة الحراك الاحتجاجي أو انحساره. وفي ظل استمرار التظاهرات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، يُرجّح أن تبقى هذه المسألة محل تدقيق سياسي وقانوني وإعلامي خلال الفترة المقبلة.
المصدر: Declassified UK
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇
