كيف قرأ الإعلام البريطاني والأمريكي إعلان ترامب وقف إطلاق النار؟
شهدت العواصم الغربية، وفي مقدمتها لندن وواشنطن، سيلًا من التحليلات المعمقة في الساعات القليلة الماضية، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ في الـ7 من إبريل/نيسان 2026 عن وقف إطلاق نار لأسبوعين في عدوانه الذي شنه وإسرائيل على إيران منذ فبراير/شباط الماضي.
هذا التقرير يستعرض الرؤية الشاملة لأبرز المحللين السياسيين وافتتاحيات الصحف الكبرى بشأن مآلات هذه الحرب ونتائجها.
أولاً: “تراجع تكتيكي” أم “اتفاق اللحظة الأخيرة”؟

يرى محرر الشؤون الدولية في صحيفة “الغارديان” (The Guardian)، في مقال نُشر فجر اليوم، أن إعلان ترامب لم يكن “كرمًا مفاجئًا”، بل كان استجابة قسرية لتقارير استخبارية وعسكرية حذرت من أن الاستمرار في القصف سيؤدي إلى انهيار كامل للنظام المالي العالمي.
وصفت الصحيفة المشهد بأنه “سياسة حافة الهاوية التي كادت أن تسقط الجميع”، معتبرة أن ترامب استخدم الهدنة كمخرج سياسي بعد أن وصلت قدرة القوات الأمريكية على تحقيق أهدافها العسكرية إلى طريق مسدود دون الدخول في غزو بري شامل، وهو ما يرفضه البنتاغون بشدة.
من جانبه أشار محلل الشؤون الدفاعية في التايمز” (The Times) البريطانية إلى أن وقف إطلاق النار جاء “قبل 90 دقيقة فقط” من تنفيذ ضربة واسعة النطاق كانت ستستهدف منشآت حيوية مدنية، ما يعكس صراعًا داخليًا في الإدارة الأمريكية بين “صقور البيت الأبيض” والقادة العسكريين الذين يخشون التورط في جرائم حرب دولية.
ثانياً: تقييم “النصر” المزعوم.. قراءة في أهداف ترامب

يدعي ترامب في تصريحاته الأخيرة أن إيران “استسلمت” وأن أهدافه قد تحققت، لكن مراكز الفكر الغربية مثل “تشاتام هاوس” (Chatham House) ومعهد “بروكنغز” (Brookings) تقدم قراءة مغايرة بالكامل:
معضلة مضيق هرمز: يرى المحلل السياسي سايمون تيسدال أن نجاح ترامب في فتح المضيق هو “نجاح مؤقت وهش”. فبينما وافقت طهران على السماح بمرور الناقلات خلال فترة الأسبوعين، إلا أنها لم توقع على اتفاق دائم، ما يعني أن “سلاح الطاقة” لا يزال بيد المرشد الأعلى، وأن ترامب لم يكسر الإرادة الإيرانية بقدر ما اشترى وقتًا لتهدئة أسواق النفط التي بلغت أرقامًا قياسية.
البرنامج النووي: تشير افتتاحية “واشنطن بوست” (The Washington Post) إلى أن الغارات الجوية، رغم كثافتها، لم تنجح في تدمير “العقل النووي” الإيراني. المحللون في الصحيفة يؤكدون أن إيران نقلت أجزاء حساسة من برنامجها إلى أعماق لا تصله القنابل “الخارقة للتحصينات”، وأن الحرب قد تدفع طهران في الواقع إلى الخروج من معاهدة منع الانتشار النووي نهائيًّا بمجرد انتهاء الهدنة.
ثبات النظام: يجمع محررو الشؤون السياسية في “نيويورك تايمز” (NYT) على أن هدف “تغيير السلوك” أو “تغيير النظام” قد أخفق. بل على العكس، أدت الحرب إلى موجة قومية داخل إيران أضعفت التيارات الإصلاحية وقوت جبهة القوميين، وهو عكس ما كان يطمح إليه ترامب.
ثالثًا: دور “الوسيط الباكستاني” والتحول في موازين القوى

توقفت الصحف البريطانية مطولاً عند الدور الذي أدّته إسلام آباد. وذكرت “الإندبندنت” (The Independent) أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف هما “المهندسان الحقيقيان” لهذه الهدنة.
تشير التحليلات إلى أن باكستان، وبدعم ضمني من الصين، مارست ضغوطًا هائلة على واشنطن، محذرة من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى زعزعة استقرار “القوة النووية” المجاورة (باكستان) بسبب تدفق اللاجئين والاضطرابات المذهبية. هذا التدخل الباكستاني يُقرأ في الغرب على أنه “تراجع للنفوذ الأمريكي المنفرد” وبروز لقوى إقليمية فرضت شروطها على البيت الأبيض.
رابعًا: استراتيجية “الإرهاب الدبلوماسي” وماذا بعد الهدنة؟

في تحليل لاذع بصحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية (المترجم للإنجليزية)، وُصفت سياسة ترامب بأنها “إرهاب دبلوماسي” حقق مكاسب إعلامية لكنه خلف دمارًا في النظام الدولي. المحللون يتساءلون: ماذا سيفعل ترامب بعد 14 يوماً؟
سيناريو “الصفقة الكبرى”: يرى بعض الناس أن ترامب يريد “اتفاقًا سريعًا” يحمل اسمه ليقدمه للناخب الأمريكي كإنجاز تاريخي، حتى لو كان الاتفاق يفتقر للضمانات الحقيقية.
سيناريو “العودة للانفجار”: يحذر محللو “بي بي سي” (BBC) من أن طهران قد تستغل الأسبوعين لإعادة تموضع صواريخها وتذخير وكلائها في المنطقة، ما يجعل الهدنة مجرد “استراحة محارب” تتبعها جولة أكثر دموية.
ليس هناك انتصار

تتفق معظم الافتتاحيات الغربية الصادرة في الساعات الأخيرة (بين مساء الـ7 من إبريل/نيسان وصباح الـ8 من إبريل/نيسان 2026) على أن ترامب لم يخرج منتصرًا بالمعنى العسكري التقليدي. الحرب التي استمرت 39 يومًا أثبتت أن القوة العسكرية المفرطة لا يمكنها حسم الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط.
إن التقييم العام للمحللين هو أن العالم يتنفس الصعداء حالياً، لكن الغموض الذي يكتنف “عقلية ترامب” يجعل من هذه الهدنة واحدة من أكثر الفترات قلقاً في التاريخ السياسي الحديث. ترامب لم يحقق أهدافه المعلنة، بل صنع واقعاً جديداً طافحاً بالثغرات القانونية والسياسية التي قد تنفجر في أي لحظة.
المصادر: الجارديان، نيويورك تايمز، فاينانشال تايمز، بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
