أكبر صفقة في تاريخها.. جوجل تستحوذ على شركة تقنية مرتبطة بالمخابرات الإسرائيلية “الوحدة 8200”
في خطوة أثارت عاصفة من القلق في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان وخصوصية البيانات الرقمية، أتمت شركة “ألفابت” (الشركة الأم لجوجل) أمس، 11 مارس 2026، أضخم صفقة استحواذ في تاريخها بشراء شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية “Wiz” مقابل 32 مليار دولار نقداً. وبينما احتفى قطاع المال بالأرقام الفلكية، حذرت تقارير حقوقية من التبعات الأخلاقية والأمنية العميقة لوصول “أذرع استخباراتية” إلى قلب البنية التحتية لأكبر محرك بحث ومزود خدمات سحابية في العالم.
تفاصيل الصفقة: أرقام فلكية وتأثيرات اقتصادية
تجاوزت هذه الصفقة كل الخطوط الاقتصادية المألوفة، حيث تم دفع 32 مليار دولار نقداً بالكامل، لتصبح أضخم عملية استحواذ في تاريخ جوجل، متجاوزة صفقة “موتورولا” الشهيرة بقيمة (12.5 مليار دولار في 2012).
- الأهمية المالية: تعد أكبر عملية “خروج” (Exit) لشركة تقنية في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي.
- المستفيد المباشر: من المتوقع أن تضخ الصفقة نحو 3.2 مليار دولار كضرائب مباشرة لخزينة الاحتلال، وهو ما يُعد دعماً مالياً كبيراً في وقت يواجه فيه الاحتلال انتقادات وإدانات دولية.
شركة Wiz: صعود من خلفية استخباراتية

خلف هذه الشركة، التي تأسست عام 2020 وأصبحت خلال ست سنوات واحدة من أبرز شركات الأمن السيبراني، تقف خبرات تقنية ذات خلفية عسكرية واستخباراتية.
- المؤسسون: أربعة ضباط سابقين في وحدة الاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية الشهيرة (Unit 8200)، وهم:
- أساف رابابورت (المدير التنفيذي).
- عامي لوتاك (المدير التكنولوجي).
- روي ريزنيك (نائب رئيس البحث والتطوير).
- ينون كوستيكا (مدير المنتجات).
- الخلفية المهنية: سبق للمؤسسين بيع شركتهم السابقة “Adallom” لشركة مايكروسوفت مقابل 320 مليون دولار عام 2015، قبل أن يتولوا مناصب تنفيذية داخل مايكروسوفت، ثم يؤسسوا لاحقاً شركة Wiz.
كواليس الاستحواذ: مفاوضات استمرت سنوات
لم يكن الطريق إلى هذه الصفقة سهلاً، لكنه يعكس إصرار جوجل على امتلاك هذه التكنولوجيا المتقدمة.
- محاولة 2024: حاولت جوجل شراء الشركة مقابل 23 مليار دولار في يوليو 2024، إلا أن العرض قوبل بالرفض.
- إتمام الصفقة في 2026: عادت الشركة بعرض أعلى بلغ 32 مليار دولار، مع شروط مالية ضخمة، في وقت يشهد فيه قطاع الذكاء الاصطناعي والأمن السحابي سباقاً عالمياً محموماً.
مخاوف حقوقية بشأن الخصوصية

تتركز المخاوف لدى بعض المنظمات الحقوقية حول طبيعة تقنيات Wiz، التي تعتمد على نظام أمن سحابي يعمل دون برمجيات وسيطة (Agentless)، ما يمنحه قدرة واسعة على فحص البيئات السحابية واكتشاف الثغرات بسرعة كبيرة.
ويرى بعض المراقبين أن دمج هذه التقنيات في منظومة خدمات Google Cloud قد يثير تساؤلات حول حماية بيانات المستخدمين، خصوصاً في ظل اتساع قاعدة مستخدمي خدمات جوجل حول العالم، والتي تشمل البريد الإلكتروني والملفات والصور والخدمات السحابية.
وتأتي هذه الصفقة في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط توترات سياسية وعسكرية وحربا شعواء تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، الأمر الذي دفع بعض الأصوات الحقوقية إلى الربط بين الاستثمارات التقنية الكبرى والتحولات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة مع اعتماد الجيوش الحديثة بشكل متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
لماذا غامرت جوجل بهذه الصفقة؟
تنظر جوجل إلى الصفقة بوصفها خطوة استراتيجية لتعزيز موقعها في سوق الحوسبة السحابية، في منافسة مباشرة مع شركتي مايكروسوفت وأمازون. وتسعى الشركة إلى دمج تقنيات Wiz مع أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، وعلى رأسها نموذج Gemini، لتعزيز قدراتها في حماية البيانات والبنية التحتية السحابية.
خاتمة

غير أن هذه الصفقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإنساني والسياسي الذي تشهده المنطقة. فالتكنولوجيا التي تسعى جوجل إلى امتلاكها نشأت في بيئة عسكرية واستخباراتية لعبت دوراً محورياً في تطوير أنظمة مراقبة واستهداف رقمية متقدمة. ويشير مراقبون إلى أن هذه التقنيات استُخدمت ضمن منظومة عسكرية متطورة خلال العدوان على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، وهي الحرب التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني وتدمير واسع للبنية التحتية المدنية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استحواذ شركة تكنولوجية عالمية بحجم جوجل على شركة يقودها خريجو تلك المدرسة الاستخباراتية يثير تساؤلات أخلاقية عميقة، خصوصاً في ظل الاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي وتحليل بيانات متقدمة لتحديد ما يُعرف بـ “بنك الأهداف” خلال العمليات العسكرية.
ولا تتوقف المخاوف عند حدود النزاع العسكري، بل تمتد إلى مفهوم أوسع يصفه بعض الباحثين بـ”الاستعمار الرقمي”، حيث تتجمع مفاصل الإنترنت الأساسية — من محركات البحث إلى البريد الإلكتروني والتخزين السحابي — في أيدي شركات عملاقة ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بخبرات استخباراتية وعسكرية.
ومع انتقال هذه الخبرات إلى قلب البنية التحتية الرقمية العالمية، يخشى مراقبون أن يتحول المستخدمون حول العالم إلى أطراف غير مرئية داخل منظومات مراقبة عابرة للحدود.
وفي نظر المراقبين، فإن صفقة “جوجل–Wiz” لا تمثل مجرد توسع تجاري في سوق الأمن السيبراني، بل علامة فارقة في تحوّل التكنولوجيا العالمية إلى ساحة صراع نفوذ سياسي واستخباراتي.
ومع تزايد اعتماد العالم على الخدمات الرقمية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يملك فعلياً مفاتيح بيانات مليارات البشر، ولأي غايات يمكن أن تُستخدم هذه القوة غير المسبوقة؟
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
