مع دخول العدوان الأمريكي/الإسرائيلي على إيران أسبوعه الثالث، تتجه الأنظار إلى احتمال توسّع الانخراط البريطاني في العمليات العسكرية، في ظل استمرار طهران في تنفيذ ضربات صاروخية وإطلاق مسيرات، ما يؤكد قدرتها على الرد رغم كثافة الهجمات.
وفي هذا السياق، تواجه الحكومة البريطانية ضغوطاً متزايدة للانتقال من موقع التردد الحذر في الأيام الأولى للحرب -الذي ارتبط برفض شعبي واسع للتورط العسكري ومخاوف من تكرار سيناريو غزو العراق- إلى انخراط تدريجي أكثر وضوحاً، بدأ باستخدام قواعد عسكرية بريطانية في المنطقة، وقد يصل إلى نشر آلاف الطائرات المسيّرة الاعتراضية في مسارح القتال.
وتكشف تقارير صحفية بريطانية أن لندن تدرس بالفعل خيارات عسكرية جديدة لتعزيز دفاعاتها ومساندة حلفائها، في ظل تحولات استراتيجية متسارعة تفرضها طبيعة الحرب الحديثة.
مسيّرات “أوكتوبس”.. خبرات الحرب الأوكرانية تنتقل إلى الشرق الأوسط

تشير تقديرات عسكرية إلى أن المنظومات التي يجري بحث نشرها هي مسيّرات اعتراض من طراز “أوكتوبس” (Octopus)، وهي أنظمة منخفضة التكلفة نسبياً لا يتجاوز سعر الواحدة منها نحو ثلاثة آلاف دولار، وقد طوّرها مهندسون أوكرانيون خلال الحرب مع روسيا.
وكان وزير الدفاع البريطاني جون هيلي قد أعلن في كانون الثاني/يناير الماضي عن شراكة صناعية مع كييف تسمح بتصنيع هذه المسيّرات داخل بريطانيا، بهدف دعم القدرات الدفاعية الأوكرانية في مواجهة الهجمات الجوية الروسية.

وتعكس دراسة نقل هذه التكنولوجيا إلى الشرق الأوسط اتجاهاً غربياً متزايداً للاستفادة من الخبرات القتالية المتراكمة في أوكرانيا، ولا سيما في مجال مواجهة الطائرات المسيّرة المنخفضة التكلفة التي باتت تشكّل أحد أبرز تحديات الحروب المعاصرة.
هجمات المسيّرات تفرض واقعاً أمنياً جديداً

يأتي هذا التوجه البريطاني بعد تعرض مواقع عسكرية غربية لهجمات بطائرات مسيّرة خلال الأسابيع الأخيرة، من بينها استهداف قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري (RAF Akrotiri) بقبرص، إضافة إلى ضربات طالت مواقع لقوات بريطانية خاصة في أربيل شمال العراق.
كما أسفر هجوم بطائرة مسيّرة عن مقتل عدد من الجنود الأمريكيين في منشأة عسكرية مؤقتة بميناء الشعيبة في الكويت خلال الأيام الأولى للحرب، في حادثة سلطت الضوء على قدرة هذه الهجمات المنخفضة التكلفة على تجاوز منظومات الدفاع التقليدية.
وكان وزير الدفاع البريطاني قد ألمح إلى احتمال وجود “دور غير مباشر لروسيا” في بعض هذه العمليات، في ظل ما يصفه مسؤولون غربيون بتزايد التنسيق العسكري بين خصومهم.
انتشار بحري محتمل وخيارات ردع استراتيجية

في موازاة ذلك، تتحرك المدمرة البريطانية “إتش إم إس دراغون” (HMS Dragon) نحو شرق المتوسط، مع احتمال إعادة توجيهها إلى الخليج إذا استدعت التطورات الميدانية ذلك.
كما يجري تداول سيناريوهات بشأن نشر الغواصة الهجومية النووية “إتش إم إس أنسون” (HMS Anson) في محيط مضيق هرمز، في خطوة قد تُستخدم لتعزيز الردع البحري في حال تصاعد المواجهة.
ويرى بعض القادة العسكريين السابقين أن مثل هذه التحركات قد تمثل رسالة استراتيجية أكثر منها استعداداً لعمل عسكري مباشر، لكنها تعكس في الوقت ذاته قلقاً متزايداً من اتساع نطاق الحرب.
ضغوط أمريكية وانتقادات لبطء الاستجابة البريطانية

سياسياً، تواجه حكومة كير ستارمر انتقادات من واشنطن بسبب ما اعتُبر تردداً في الانخراط منذ بداية العدوان. فقد وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات حادة بشأن “بطء الدعم البريطاني”، محذراً بأنه “سيتذكر” الموقف البريطاني غير الداعم خلال الصراع، فيما نقل مصدر مقرب من الإدارة الأمريكية أن “العلاقة الخاصة انتهت”، وأن “بريطانيا أظهرت خلال حرب إيران أنها لا يمكن الاعتماد عليها،”، وأن “الضمان الأمني كله انهار”.
وتأتي هذه الضغوط في سياق محاولة واشنطن حشد دعم أوسع لحماية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً لنحو خُمس تجارة النفط العالمية، بعد أن تزايدت المخاطر الأمنية فيه مع تصاعد العمليات العسكرية.
تحذيرات داخلية من تراجع التفوق العسكري التقليدي
في الداخل البريطاني، تتصاعد التحذيرات من أن الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة المنخفضة التكلفة يفرض واقعاً استراتيجياً جديداً قد يحدّ من التفوق الجوي والبحري الذي اعتمدت عليه القوى الغربية لعقود.
ويشير خبراء دفاعيون إلى أن تقليص الوجود البحري البريطاني في مناطق حيوية خلال السنوات الماضية أضعف قدرة لندن على الاستجابة السريعة للأزمات، في وقت تتجه فيه الحروب الحديثة نحو نماذج تعتمد على الكثافة العددية للتكنولوجيا الرخيصة نسبياً بدلاً من التفوق النوعي التقليدي.
مأزق لندن الاستراتيجي
في المحصلة، يكشف الجدل الدائر في لندن عن مأزق استراتيجي يتجاوز مجرد قرار تقني بإرسال مسيّرات أو قطع بحرية. إذ تجد بريطانيا نفسها مجدداً أمام اختبار بين منطق التحالف غير المشروط مع واشنطن وكلفة التورط في صراع إقليمي مفتوح، تفتقر مبرراته القانونية والسياسية إلى إجماع داخلي. ومع اتساع العدوان الأمريكي/الإسرائيلي واستمرار قدرة إيران على فرض إيقاع رد عسكري يربك حسابات الخصوم، يبدو أن أي انخراط بريطاني إضافي لن يغيّر موازين الحرب بقدر ما قد يكرّس منطق الاستنزاف، ويعمّق هشاشة الأمن الإقليمي، ويزيد حدة الانقسامات داخل المشهد السياسي البريطاني، على وقع تراجع استقلالية القرار الاستراتيجي تحت وطأة الضغوط الأمريكية.
