الجادريان: تغيّر جذري مرتقب في سياسة حزب العمال تجاه القضية الفلسطينية
تشير تقديرات ناشطين مؤيدين لفلسطين إلى أن حزب العمال البريطاني قد يكون على أعتاب تحول كبير في تعامله مع العدوان الإسرائيلي في غزة والقضية الفلسطينية، وهو ما قد ينعكس في صورة مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل خلال الفترة المقبلة.
ويستند هذا التقييم إلى مجموعة من التطورات السياسية المتزامنة، أبرزها التقدم الذي حققه حزب الخضر في الانتخابات المحلية، والحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى جانب استطلاعات رأي حديثة أظهرت تأييدًا واسعًا داخل حزب العمال لاتخاذ إجراءات أكثر تشددًا ضد إسرائيل، بما في ذلك وقف جميع شحنات الأسلحة إليها.
تفاؤل بعد سلسلة من الانتكاسات
يمثل هذا التفاؤل تغيّر في الرأي العام للحملة المؤيدة لفلسطين في بريطانيا، بعدما واجهت خلال الأشهر الماضية عددًا من النكسات، من بينها خسارة قضايا متتالية أمام المحكمة العليا، وتصنيف حركة “بال أكشن” منظمة إرهابية، بالإضافة إلى تعثر “مجلس السلام” الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تحقيق أي تقدم نحو تعزيز الحكم الذاتي الفلسطيني.
المرشحون لخلافة ستارمر يدعون إلى مواقف أكثر قوة
يُنظر إلى وزير الصحة البريطاني ويس ستريتينغ وعمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام باعتبارهما أبرز المرشحين المحتملين لخلافة كير ستارمر في رئاسة الوزراء.
وكان كلاهما قد دعا في مناسبات سابقة إلى اتخاذ خطوات أكبر لدعم الفلسطينيين، إلا أنهما امتنعا خلال النقاشات الأخيرة عن وصف العدوان الإسرائيلي في غزة بأنّه “إبادة جماعية”. في المقابل، اتهم ستريتينغ إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
وكشف تقرير لصحيفة “الأوبزرفر” أن ستريتينغ وزع على أعضاء الحكومة ملفًا أعده أطباء بريطانيون يعملون في فلسطين، قبل أن يتهمه ستارمر لاحقًا بأنه فعل ذلك بهدف تسريب الوثيقة إلى وسائل الإعلام.
ورغم هذه المواقف، لم يقدم أي من ستريتينغ أو بورنهام حتى الآن تصورًا تفصيليًا بشأن الخطوات التي ينبغي أن تتخذها بريطانيا في غزة، سواء بشكل منفرد أو بالتنسيق مع شركائها الدوليين.
إلا أن ستريتينغ كان قد كتب في يوليو 2025 أن ما وصفه بـ”سلوك الدولة المارقة” من جانب إسرائيل يبرر فرض عقوبات على الدولة نفسها، وليس فقط على عدد من الوزراء الإسرائيليين.
خطوات حكومية محدودة حتى الآن
العدوان الإسرائيلي على غزة (أنسبلاش)
حتى هذا الأسبوع، اقتصرت أبرز الإجراءات التي اتخذتها الحكومة البريطانية على التعليق الجزئي لصادرات الأسلحة إلى إسرائيل في سبتمبر 2024، ثم الاعتراف بدولة فلسطين بعد عام واحد.
لكن مؤيدي فلسطين يرون أن هذه الخطوات لم تكن كافية في ظل استمرار العدوان وتفاقم الأزمة الإنسانية في غزة.
“تحول كبير” داخل الحكومة
يرى براين بريفاتي، المؤرخ والمدير التنفيذي للمشروع البريطاني الفلسطيني، أن الظروف السياسية باتت مهيأة لحدوث تغيير ملموس في سياسة حزب العمال.
وقال إن “هناك تحولًا كبيرًا على وشك الحدوث داخل الحكومة”، معتبرًا أن معظم العوامل السياسية الحالية تدفع في الاتجاه نفسه.
وأشار إلى أن رحيل مورغان ماكسويني من موقعه المؤثر داخل مكتب رئيس الوزراء يمثل أحد المؤشرات المهمة، لافتًا إلى أن ماكسويني لعب دورًا بارزًا سابقًا في ربط الزعيم العمالي السابق جيريمي كوربن بقضايا معاداة السامية.
وأضاف أن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة أوضحت للنواب، بمن فيهم النواب الجدد، التأثير الانتخابي المتزايد للقضية الفلسطينية، خاصة بعد الأداء القوي الذي حققه حزب الخضر.
تأييد واسع داخل حزب العمال لفرض عقوبات
استشهد بريفاتي باستطلاع رأي أجرته منظمة “المساعدة الطبية للفلسطينيين”، أظهر أن 87% من أعضاء حزب العمال يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، بينما يدعم 78% فرض حظر كامل على جميع شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.
كما أشار إلى استمرار تدهور الأوضاع في غزة، بما في ذلك مقتل أكثر من 900 شخص منذ وقف إطلاق النار، إلى جانب فشل “مجلس السلام” في تحقيق أي تقدم خلال ستة أشهر.
ورأى أن أي انتخابات مستقبلية على زعامة حزب العمال ستؤدي على الأرجح إلى تغيير جوهري في نهج الحزب تجاه القضية الفلسطينية، بغض النظر عن هوية الفائز بالقيادة.
إميلي ثورنبيري: حزب العمال خذل الفلسطينيين
العدوان الإسرائيلي على غزة (أنسبلاش)
في تصريحات لافتة، قالت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني، إن حزب العمال “خذل الفلسطينيين”.
وأوضحت أن الحكومة فقدت الزخم بعد الاعتراف بدولة فلسطين العام الماضي، في وقت تعثرت فيه المبادرة الأمريكية للسلام.
وأضافت: “كان الاعتراف بفلسطين خطوة أولى، لكن أين الخطوة الثانية والعاشرة؟”، وقالت أن ما يحدث في غزة أصبح “غير محتمل”، بينما لا يزال المجتمع الدولي يتعامل معه دون إجراءات كافية.
مقترحات لتشديد الضغوط على إسرائيل
وخلال مؤتمر نظمه المشروع البريطاني الفلسطيني الأسبوع الماضي، ناقش المشاركون مجموعة من الإجراءات التي يمكن لأي قيادة عمالية جديدة تبنيها للضغط على إسرائيل.
وشملت المقترحات فرض حظر تجاري كامل على إسرائيل أو على الأقل حظر السلع المنتجة في المستوطنات غير القانونية، ونشر الرد الحكومي الكامل على قرار محكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 بشأن عدم قانونية الاحتلال، إضافة إلى اتخاذ إجراءات تمنع الشركات البريطانية والأوروبية من المشاركة في مشاريع استيطانية بمنطقة “إي1” التي تفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.
ورغم أن بعض هذه الأفكار وردت في رسالة وقّعها رؤساء عدد من اللجان البرلمانية، فإن الحكومة البريطانية اكتفت هذا الأسبوع بفرض عقوبات إضافية على مجموعات استيطانية، مؤكدة أن حظر التجارة مع المستوطنات يواجه تحديات عملية.
كما أعلنت دعم صندوق دولي جديد للسلام يهدف إلى تمويل مبادرات مجتمعية لتعزيز الثقة بين الأطراف المختلفة.
دعوات لاستعادة الدور الأوروبي
من جانبه، قال فينسنت فين، القنصل البريطاني العام السابق في القدس، إن أوروبا فقدت زمام المبادرة الدبلوماسية في الملف الفلسطيني لصالح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، داعيًا بريطانيا إلى لعب دور أكبر لاستعادة هذا النفوذ.
ويرى ناشطون أن حكومة ستارمر لم تستوعب بعد مدى تحول الحرب في غزة إلى قضية محورية بالنسبة لجيل كامل من الشباب البريطانيين، في وقت برز فيه حزب الخضر كأحد أكثر الأحزاب وضوحًا في مواقفه الداعمة للفلسطينيين، بما في ذلك دعوته للإفراج عن القيادي الفلسطيني المعتقل مروان البرغوثي.
انتقادات لنهج الحكومة البريطانية
وقال كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني، إن الحكومات الغربية باتت تكتفي بإصدار بيانات تعبر عن “الإدانة” و”القلق العميق” دون اتخاذ خطوات ملموسة تؤثر فيما يحدث.
أما دانيال ليفي، المفاوض الإسرائيلي السابق، فدعا إلى تبني مقاربة أكثر تأثيرًا في التعامل مع إسرائيل، تركز على الحد من قدرتها على مواصلة سياساتها الحالية.
واعتبر أن معاقبة بعض المستوطنين أو حتى فرض عقوبات على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش لن يكون كافيًا لتحقيق تغيير حقيقي، مشيرًا إلى أن التأثير الأكبر قد يأتي من الضغوط الدولية في مجالات مثل الرياضة والثقافة والفعاليات الدولية.
وختم بالقول إن المنطقة تشهد تحولات استراتيجية عميقة، وإن التطورات الأخيرة قد تدفع إلى إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، مؤكدًا أن أي حل مستدام يتطلب تقديم بديل سياسي يضمن الأمن والحرية لجميع الأطراف، على غرار التجربة التي ساهمت في إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.