تراجع ملحوظ في طلبات تأشيرات بريطانيا مع بدء تطبيق قواعد الهجرة الجديدة
مع بدء تطبيق مجموعة جديدة من قيود الهجرة، تكشف البيانات الرسمية عن تحوّل حاسم في اتجاهات الهجرة إلى بريطانيا؛ تحوّل لا يعبّر عن تراجع عابر، بل عن إعادة رسم لقواعد الدخول والعمل والإقامة. الأرقام هنا لا تظهر كإحصاءات إدارية محايدة، بل كمؤشرات على مسار سياسي يُعاد تشكيله بعد سنوات من الانفتاح النسبي.
انخفاض حاد في تأشيرات العمل والرعاية

أظهرت بيانات صادرة عن وزارة الداخلية البريطانية أن عدد طلبات التأشيرات المقدمة في عام 2025 انخفض بأكثر من 103 آلاف طلب مقارنة بالعام السابق، في أكبر تراجع سنوي منذ سنوات.
وسُجل الانخفاض الأبرز في تأشيرات الرعاية الصحية والاجتماعية، إذ بلغ عدد المتقدمين 61 ألف شخص فقط في 2025، سواء كمتقدمين أو مرافقين، بانخفاض 51 في المئة عن الفترة المنتهية في ديسمبر 2024، حين بلغ العدد 123,300 طلب.
كما تراجعت طلبات تأشيرات العمالة الماهرة إلى 85,500 طلب، بانخفاض سنوي قدره 36 في المئة مقارنة بـ132,700 طلب في العام السابق.
في المقابل، شهدت بعض المسارات زيادات محدودة، حيث ارتفعت طلبات العمالة الموسمية بنسبة 8 في المئة، وطلبات الدراسة المكفولة بنسبة 4 في المئة، إلا أن هذه الزيادات لم تعوض الانخفاض الحاد في باقي المسارات.
خلفية القرارات: تضييق ممنهج
يعكس هذا التراجع مجموعة من الإجراءات التي بدأ تطبيقها منذ صيف 2025، أبرزها:
- إنهاء التوظيف الخارجي لعمال الرعاية
- رفع الحد الأدنى للأجور لتأشيرات العمالة الماهرة من 38,700 إلى 41,700 باوند
- تشديد متطلبات اللغة الإنجليزية لبعض فئات التأشيرات المهنية
وبهذا الشأن قال وزير شؤون الهجرة والمواطنة مايك تاب: إن “صافي الهجرة وصل إلى أدنى مستوى له منذ نصف عقد”، معتبرًا أن الحكومة “تستعيد السيطرة على نظام هجرة مختل”، ومؤكدًا أن الإصلاحات الحالية هي “الأوسع منذ 50 عامًا”.
استمرار نهج التضييق عبر حكومتين

اللافت أن هذه السياسات لا تمثل قطيعة مع المرحلة السابقة، بل امتدادًا لها. فقد بدأت الحكومة المحافظة السابقة في أوائل 2024 خطوات مشابهة، من بينها:
- منع عمال الرعاية من اصطحاب أفراد أسرهم
- رفع عتبة الدخل لتأشيرات العمالة ولمّ الشمل
- وقف السماح لغالبية الطلاب الأجانب بإحضار مرافقين
وقد أدى ذلك إلى تراجع حاد في تأشيرات الدراسة من 618,900 طلب في 2023 إلى 430,500 في 2024، مع بقاء الأرقام عند مستوى منخفض نسبيًّا في 2025 (447,900).
صافي الهجرة في مسار هابط
تشير بيانات منفصلة صادرة عن مكتب الإحصاء الوطني إلى أن صافي الهجرة -أي الفرق بين القادمين والمغادرين على المدى الطويل- بلغ 204 آلاف شخص حتى يونيو 2025، بانخفاض 69 في المئة مقارنة بالعام السابق الذي سجل 649 ألفًا.
وبحسَب وزارة الداخلية، بلغ إجمالي عدد المتقدمين للحصول على تأشيرات عبر جميع المسارات في 2025 نحو 737,100 شخص، مقارنة بـ840 ألفًا في 2024، وأكثر من 1.26 مليون في 2023.
الأسر واللاجئون ضمن دائرة الاستهداف

لم تقتصر الانعكاسات على سوق العمل والدراسة، بل طالت تأشيرات لمّ الشمل الأسري، التي تراجعت بنسبة 12 في المئة إلى 81,200 طلب. ويعود ذلك جزئيًّا إلى قرار الحكومة في سبتمبر 2025 تعليق طلبات لمّ شمل أسر اللاجئين.
كما أشارت وزيرة الداخلية شبانة محمود إلى أن الإصلاحات المقبلة لن تمنح اللاجئين حقًّا تلقائيًّا في لمّ الشمل، إلا إذا استوفوا الشروط نفسها المفروضة على التأشيرات العائلية، وعلى رأسها حد الدخل الأدنى البالغ 29 ألف باوند.
مضاعفة زمن الانتظار
ضمن الاتجاه نفسه، أعلنت الحكومة نيتها مضاعفة مدة الانتظار للحصول على الإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى عشر سنوات، في إطار ما تسميه “الإقامة المكتسبة”. وسيُطلب من المتقدمين استيفاء شروط إضافية، مثل سجل جنائي نظيف، وإتقان اللغة الإنجليزية بمستوى يعادل A-Level، مع إمكانية تسريع أو تبطيء المسار وفقًا لما تعتبره الدولة “مساهمة” المهاجر في المجتمع والاقتصاد.
تحول في فلسفة الهجرة
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن الأرقام لا تعكس مجرد تشدد مؤقت، بل تحولًا في فلسفة الهجرة البريطانية: من نظام يعتمد على سد فجوات سوق العمل والانفتاح النسبي، إلى نموذج انتقائي صارم يربط الإقامة طويلة الأمد بمعايير اقتصادية وثقافية وأمنية متزايدة. وبينما تراهن الحكومة على خفض الأرقام واسترضاء المزاج السياسي الداخلي، يبقى السؤال مفتوحًا حول التكلفة الاجتماعية والاقتصادية لهذا المسار على المدى الطويل، ولا سيما في قطاعات تعاني أصلًا من نقص مزمن في العمالة.
المصدر: ستاندرد
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
