تخبط حكومة ستارمر مع فضائح إبستين (تحديث مستمر)
تواجه حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر واحدة من أخطر الأزمات في تاريخ ولايته، بعد الكشف عن علاقة المسؤول الحكومي السابق بيتر ماندلسون بالمجرم الأمريكي المدان في قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال، جيفري إبستين. ما بدأ قضيةً تتعلق بتعيين دبلوماسي رفيع المستوى تحوّل إلى عاصفة سياسية كاملة، تكشف عن انقسامات داخل حزب العمال وتطرح تساؤلات جدية عن قدرة ستارمر على إدارة الحكومة.
تركز الأزمة على قرار ستارمر عام 2024 بتعيين ماندلسون سفيرًا لبريطانيا في الولايات المتحدة، على الرغم من الروابط المعروفة بين ماندلسون وإبستين. وبينما دافع ستارمر عن القرار وقتها، ازدادت حدة الأزمة بعد كشف وزارة العدل الأمريكية، في الـ30 من يناير 2026، ملفات إبستين السرية، التي أظهرت أن ماندلسون ظل على اتصال بإبستين حتى بعد إدانته في 2008 بالاعتداء الجنسي على قاصر. وفي سبتمبر 2025، أقال ستارمر ماندلسون من منصبه، غير أن الضرر السياسي وسمعة الحكومة استمر في التفاقم.
ضغوط متزايدة على ستارمر من قيادات حزب العمال

أثار تعيين ماندلسون وكشف علاقاته القديمة انتقادات قوية داخل حزب العمال، ويشمل ذلك كبار أعضاء الحزب. وأصبح أنس سروار، زعيم حزب العمال في اسكتلندا، أبرز الأصوات المطالبة بتغيير أسلوب القيادة، حيث قال يوم الإثنين في غلاسكو: “لقد ارتُكبت أخطاء كثيرة. يجب أن تنتهي هذه الإلهاءات، ويجب أن يتغير أسلوب القيادة في داونينغ ستريت”.
ونبه عدد من المسؤولين على ضرورة حل المشكلات النظامية داخل الحزب، مؤكدين أن الأزمة لا تتعلق بماندلسون وحده. وأوضحت النائبة العمالية إميلي ثورنبيري أن استقالة ماكسويني تشكل فرصة للتفكير الداخلي ومراجعة تأثير المستشارين على القرارات الحكومية الحساسة. وحذر النائب آندي ماكدونالد من أن القيادة لم تدرك حجم المشكلة بالكامل، مشيرًا إلى أن مجرد استبعاد بعض المسؤولين لن يحل “المشكلة الجوهرية في قلب حزب العمال”.
ورغم الدعوات المتكررة، ظل ستارمر ثابتًا على موقفه. ففي حديثه أمام نواب حزب العمال خلف الأبواب المغلقة، قال: “كل معركة خضتها في حياتي فزت بها. بعد أن كافحت بشدة للحصول على فرصة لتغيير بلدنا، لست مستعدًّا للتخلي عن تفويضي ومسؤوليتي تجاه بلدي، أو لإدخالنا في الفوضى كما فعل آخرون. هذه معركتي، وهذه معركتنا جميعًا، ونحن فيها معًا”.
وأكد متحدث باسم الحزب أن ستارمر “يحمل تفويضًا واضحًا لخمس سنوات من الشعب البريطاني لإحداث التغيير، وهذا ما سيواصل القيام به”.
استقالات بارزة تهز مكتب رئيس الوزراء وتضع ستارمر تحت الضغط

أدت الأزمة إلى موجة استقالات بارزة زعزعت استقرار مكتب رئيس الوزراء البريطاني.
استقال مورغان ماكسويني، رئيس مكتب ستارمر وكبير مستشاريه السياسيين، يوم الأحد، متحملًا المسؤولية عن نصحه بتعيين ماندلسون. وكان لماكسويني دور أساسي في توجيه حزب العمال نحو الوسط السياسي، بعيدًا عن سياسات يسار الحزب تحت قيادة جيريمي كوربين، واعتُبر من مهندسي الانتصار الانتخابي الكبير في يوليو 2024.
كما استقال تيم ألان، مدير الاتصالات في الحكومة، يوم الإثنين، مشيرًا إلى ضرورة تشكيل فريق جديد لمكتب رئيس الوزراء. وكان ألان قد شغل سابقًا منصب نائب سكرتير الصحافة لرئيس الوزراء السابق توني بلير، واستمر في منصبه الحالي لبضعة أشهر فقط.
حرمت هذه الاستقالات ستارمر من أبرز مستشاريه السياسيين ومسؤولي الاتصال في لحظة حرجة، ما جعله أكثر عرضة للتدقيق والضغط المتزايد على حكومته.
ستارمر يقدّم اعتذارًا علنيًا ويحظى بدعم قيادات حزب العمال

في الأسبوع الماضي، قدّم ستارمر اعتذارًا علنيًّا لضحايا إبستين، قائلًا: “أنا آسف. آسف لما حدث لكم، آسف لأن كثيرًا من أصحاب النفوذ خذلوكم، آسف لأنني صدقت أكاذيب ماندلسون وعيّنته”.
ووعد ستارمر بضمان الشفافية من خلال الكشف عن المستندات التي توضح تضليل ماندلسون للحكومة، في خطوة تسعى إلى استعادة الثقة وإظهار الالتزام بالمساءلة.
وفي الوقت نفسه، حصل رئيس الوزراء على دعم علني من عدة شخصيات بارزة في الحكومة وقيادة حزب العمال:
- نبه نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي على وحدة الحزب وأهمية التركيز على الإصلاح.
- أكدت وزيرة المالية راشيل ريفز ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر على دور ستارمر في دفع أجندة الحزب داخليًّا وخارجيًّا، وأشارت كوبر إلى مشاركته المرتقبة في مؤتمر ميونيخ للأمن.
- أعادت نائبة زعيمة الحزب أنجيلا راينر التأكيد على دعمها، منبهة على أن الحزب “ما زال في بداية الطريق لإحداث التغيير” عبر إصلاحات تشمل قانون حقوق العمال، وحقوق المستأجرين، وإصلاح عقود الملكية، والوجبات المدرسية المجانية، ومكافحة فقر الأطفال.
فضيحة ماندلسون تضع القيادة والحزب أمام عقبات سياسية كبيرة

أدت الأزمة إلى الكشف عن مشكلات أوسع داخل حزب العمال، تشمل ثقافة الحزب السياسية وطبيعة العلاقة بين القيادة وقاعدتها الشعبية. وأوضح كليف لويس أن تصرفات ماندلسون تعكس إرثًا ممتدًا من الروابط مع النخبة داخل الحزب، التي ترسخت في عهد توني بلير وماندلسون، وهو ما ساهم في انفصال القيادة عن مصالح القاعدة الشعبية.
وأظهرت استطلاعات شركة Survation أن 34 في المئة من أعضاء الحزب يطالبون باستقالة ستارمر بسبب فضيحة ماندلسون، في حين يواصل 51 في المئة دعمهم له، و16 في المئة غير متأكدين من موقفهم.
كما زادت المعارضة الضغوط على الحكومة، حيث قالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك: “لقد اتخذ ستارمر قرارات سيئة الواحد تلو الآخر. موقفه الآن غير قابل للاستمرار”.
وتضاف هذه الأزمة إلى عقبات أكبر تواجه حكومة ستارمر منذ توليه السلطة، من بينها:
- تحقيق النمو الاقتصادي الموعود.
- إصلاح الخدمات العامة المتضررة بعد سنوات حكم المحافظين.
- معالجة استياء الجمهور من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وحذر المحللون من أنه دون اتخاذ إجراءات حاسمة ومحاسبة واضحة، فإن قدرة ستارمر على الاحتفاظ بالسلطة وإدارة الحكومة بفعالية ستكون معرضة للخطر خلال الأشهر المقبلة.
مستقبل ستارمر يتوقف على المستندات والتحقيقات الجارية

قد يتوقف مستقبل كير ستارمر على إصدار السجلات الحكومية المتعلقة بتعيين ماندلسون. وقد طالب نواب بنشر ما يصل إلى 100,000 مستند، بعد أن فتحت شرطة العاصمة تحقيقًا في مزاعم تفيد بأن ماندلسون نقل معلومات حساسة إلى جيفري إبستين.
ومن المرجح أن يحدد توقيت إصدار هذه الوثائق ومحتواها، إلى جانب التحقيقات الجارية، ما إذا كان ستارمر سيتمكن من استعادة السيطرة على حزبه، واستعادة ثقة الجمهور، والحفاظ على منصب رئيس الوزراء.
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
