️بي بي سي: هذا هو المتهم بإغراق بريطانيا بقوارب المهاجرين
كشف تحقيق استقصائي أجرته “بي بي سي” الهوية الحقيقية لأحد أبرز مهربي البشر الذين يُعتقد أنهم يقفون خلف جزء كبير من عمليات تهريب المهاجرين غير النظاميين إلى بريطانيا عبر القوارب الصغيرة خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب التحقيق، فإن الرجل المعروف باسم “كاردو رانيا” نجح لسنوات في الإفلات من الملاحقة الأمنية مستخدمًا اسمًا مستعارًا أخفى من خلاله هويته الحقيقية، ما أعاق جهود أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية في إصدار مذكرة توقيف دولية بحقه أو تتبع تحركاته عبر الحدود.
شبكة تهريب تمتد من أفغانستان إلى بريطانيا

ويُعتقد أن “كاردو رانيا”، وهو كردي عراقي يبلغ من العمر 28 عامًا، يدير شبكة تهريب واسعة تمتد طرقها من أفغانستان مرورًا بعدة دول في الشرق الأوسط وأوروبا وصولًا إلى بريطانيا.
وقد استمد لقبه من مدينة “رانيا” الواقعة في إقليم كردستان العراق، وهي منطقة قالت تقارير دولية، بينها تقرير صادر عن مركز “تشاتام هاوس” عام 2024، إنها تشهد نشاطًا واسعًا لشبكات تهريب البشر.
وقال دان كاناتيلا-باركروفت، نائب مدير الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة البريطانية بالإنابة، إن معظم نماذج أعمال تهريب المهاجرين بالقوارب الصغيرة نخضع لسيطرة شبكات كردية، مضيفًا أن السلطات البريطانية استهدفت مؤخرًا عددًا من المهربين المرتبطين بمدينة رانيا.
كما أكد مهربون ومصادر محلية تحدثت إليهم BBC أن الشبكة المعروفة باسم “أولاد رانيا” تُعد من أبرز الجهات المسيطرة على تجارة تهريب المهاجرين عبر القنال الإنجليزي.
وقال الدكتور مثنى نادر، عضو لجنة العلاقات الخارجية في برلمان كردستان العراق، إن “هذه شبكة قوية وكل خيوطها تعود إلى رانيا”، معتبرًا أن القبض على قادة هذه الشبكات قد يساهم في حل جزء كبير من أزمة الهجرة غير النظامية إلى بريطانيا.
حياة الرفاهية وسيلة لاستقطاب المهاجرين
ورغم إخفائه اسمه الحقيقي، لم يتردد “كاردو رانيا” في الظهور علنًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لخدماته، حيث نشر مقاطع مصورة تُظهر نمط حياة فاخر في لندن، إلى جانب شهادات لمهاجرين وصلوا إلى بريطانيا.
وكشف مهرب سابق أن شبكة “كاردو رانيا” كانت تتقاضى نحو 17 ألف يورو مقابل تهريب الشخص الواحد من العراق إلى بريطانيا، وهو مبلغ يفوق أسعار شبكات منافسة، إلا أن الشبكة كانت تروّج لنفسها باعتبارها توفر “رحلة أكثر أمانًا” وخدمات مميزة للراغبين في الدفع.
لكن التحقيق يشير إلى أن الرحلة عبر الشرق الأوسط وأوروبا تبقى محفوفة بالمخاطر في جميع مراحلها، وقد أودت بحياة العديد من المهاجرين خلال السنوات الماضية.
قصة شاب فُقد في عرض البحر

وخلال التحقيق، التقت BBC بمهاجرين داخل مخيمات شمال فرنسا، حيث برزت قصة شاب كردي يُدعى شوانا، يبلغ من العمر 24 عامًا، غادر كردستان العراق على أمل الوصول إلى بريطانيا.
ووصل شوانا إلى الساحل الفرنسي أواخر العام الماضي، قبل أن يُجبر مع عشرات المهاجرين على الصعود إلى قارب صغير لا يتسع سوى لعدد محدود من الأشخاص.
وبحسب أحد الناجين، دفع المهربون القارب إلى عرض البحر ثم غادروا المكان، قبل أن يبدأ القارب بالغرق في منتصف الرحلة.
ورغم تمكن خفر السواحل من إنقاذ معظم الركاب وإعادتهم إلى فرنسا، اختفى أربعة أشخاص في البحر، بينهم شوانا، الذي لم يُعثر على جثمانه حتى اليوم.
وأظهرت التحقيقات أن عملية العبور جرى تنسيقها عبر مجموعة على تطبيق واتساب، باستخدام أرقام مرتبطة بإعلانات نشرتها شبكة “كاردو رانيا” على الإنترنت.
متحف لضحايا الهجرة وتهديدات بالقتل

وفي مدينة رانيا، التقت بي بي سي بعائلة شوانا، التي أكدت أن ابنها تأثر بإعلانات المهربين التي تصوّر الحياة في بريطانيا باعتبارها طريقًا سريعًا نحو الثراء والاستقرار.
وقال الدكتور هيمن ميراني، المدير العام للديوان في وزارة الداخلية بحكومة إقليم كردستان، إن “صوت المهربين بات أعلى من صوت الإعلام والحكومة”.
وفي المدينة نفسها، أُنشئ متحف صغير يخلّد ذكرى السكان الذين لقوا حتفهم خلال رحلات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، حيث تغطي صور الضحايا جدران المكان بالكامل.
ويقول صاحب المتحف، بكر علي، إنه يتعرض لتهديدات بالقتل من قبل مهربين محليين بسبب نشاطه المناهض لتجارة التهريب، ويعيش حاليًا تحت حماية أمنية مستمرة.
وعندما عرض عليه صحفيو BBC صورة “كاردو رانيا”، تعرف عليه فورًا، قبل أن يساعدهم لاحقًا في الوصول إلى بعض الأشخاص المرتبطين بالشبكة.
الكشف عن الهوية الحقيقية
وبعد سلسلة من الاتصالات عبر تطبيق واتساب مع أحد المهربين، تلقى الصحفيون رسالة تحتوي على وثيقة رسمية كشفت الاسم الحقيقي لـ”كاردو رانيا”، وهو: كاردو محمد أمين جاف.
وعقب ذلك، تمكن فريق التحقيق من التواصل معه مباشرة عبر رقم يُعتقد أنه يُستخدم لإدارة عمليات التهريب.
وخلال المكالمة، نفى جاف تورطه في تهريب البشر، مدعيًا أنه يكتفي “بتقديم النصائح” للراغبين في مغادرة العراق، وأنه لا يعتقد أنه ارتكب أي مخالفة قانونية.
وعندما سُئل عن حادثة القارب الذي اختفى فيه شوانا، أقر بمعرفته بفقدان أحد الركاب، لكنه نفى أي مسؤولية عن الحادث، قبل أن ينهي المكالمة ويغلق الرقم لاحقًا.
شركاء الشبكة ومخاوف أمنية متزايدة

وأشار التحقيق إلى أن أحد شركاء جاف، ويدعى نوح آرون، يقضي حاليًا عقوبة بالسجن لمدة عشر سنوات في فرنسا، بعد إدانته بجرائم تتعلق بغسل الأموال وتنظيم الهجرة غير النظامية.
كما حذرت جهات مختصة بشؤون الهجرة من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صعّب الوصول إلى بعض قواعد البيانات الأوروبية المتعلقة بالمجرمين وسجلات طالبي اللجوء.
وقالت لوسي مورتون، من اتحاد خدمات الهجرة، إن بريطانيا لم تعد تتمتع بنفس مستوى تبادل المعلومات مع الدول الأوروبية بعد “البريكست”، ما جعل تعقب بعض المشتبه بهم أكثر تعقيدًا.
ورغم كشف هويته الحقيقية، لا يزال مكان وجود كاردو محمد أمين جاف مجهولًا حتى الآن، إلا أن التحقيق يشير إلى أنه بات مطلوبًا من قبل جهة أمنية أوروبية واحدة على الأقل، في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لتعقب شبكات تهريب البشر التي تنشط بين الشرق الأوسط وأوروبا وبريطانيا.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇