بين عظمة الإنجاز ووهم “الموظف الضرورة”: حين تقتل “الأنا” مستقبل المبدع
في رحلتنا المهنية، كثيرًا ما نصادف ذلك النموذج الذي يمتلك ذكاءً وقّادًا وقدرةً لافتة على الإنجاز؛ لكنه ما إن يحقق نجاحًا أو اثنين، حتى تتسلل إلى وعيه فكرة خبيثة، أشبه بفيروس إداري قاتل، توهمه بأنه صار أكبر من المؤسسة، وأن المصابيح ستنطفئ إن غاب. هذا الشعور، وإن بدا في ظاهره ثقةً وقوة، ليس سوى قناعٍ للهشاشة، وبداية انحدارٍ صامت نحو سوء تقديرٍ لا يرحم.
المؤسسة كيانٌ لا يُختزل في “أنا”
المنطق القيادي الرشيد يؤكد أن المؤسسات الناجحة تُبنى لتكون كياناتٍ عابرةً للأشخاص. إنها تشبه نهرًا جاريًّا؛ تتبدل مياهه باستمرار، لكن مجراه يبقى ثابتًا، واسمه حاضرًا، وقوته متدفقة. وحين يتوهم الموظف -مهما بلغ شأنه- أنه المحرك الوحيد لهذا النهر، يصطدم بحقيقةٍ قاسية: المؤسسة التي وُجدت قبله ستستمر بعده، والسؤال الوحيد هو: كيف ستذكره؟ هل كبانٍ للأعمدة، أم كعقبةٍ حاول الجميع تجاوزها؟
إن ممارسة دور “البطل المطلق”، واستعراض التفوق أمام الزملاء، ليس دليل تمكّن، بل علامة على ضعف في الفهم المؤسسي. فالمؤسسة لا تُختزل في فرد، والزملاء ليسوا كومبارس في مسرحيةٍ يكتبها شخص واحد، ومنطق الإدارة يرفض أن يُرهن مصير الجماعة بمزاج فرد.
سلوكيات تكشف “ورم الأنا”
في بيئات العمل، تظهر مؤشرات واضحة على تضخم الأنا وفقدان البوصلة المهنية. من أخطرها التلويح الدائم بالاستقالة عند كل خلاف. اتخاذ الرحيل ورقة ضغط ليس تعبيرًا عن قوة، بل عن إفلاسٍ قيمي؛ فالموظف الواثق يثبت حضوره بالمواجهة والبناء، لا بالانسحاب والتهديد. ومن يهدد بمغادرة السفينة كلما هبت ريح، يعلن -دون أن يدري- أن ولاءه لذاته يتقدم على ولائه للرسالة.
ومن مظاهر هذا الورم أيضًا مراقبة أخطاء الآخرين بعدسةٍ مكبرة، وتضخيمها في الاجتماعات لإظهار الذات في ثوب المنقذ، مقابل قدرةٍ مذهلة على تبرير الأخطاء الشخصية أو إنكارها. هذا الخلل في الميزان يخلق بيئةً طاردة، ويحوّل العمل من ساحة إبداعٍ إلى حلبة صراعٍ وتصفية حسابات.
النجاح الحقيقي هو “الأثر” لا “السيطرة”
القائد الحقيقي، والمهني الناضج، يقيس نجاحه بقدرته على بناء نظامٍ يعمل بكفاءة حتى في غيابه. العظمة لا تكمن في قول “أنا فعلت”، بل في الافتخار بعبارة “نحن أنجزنا”. فالإفراط في الحديث عن الذات يصنع جدارًا عازلًا بينك وبين قلوب من يعملون معك، وأما القيادة ففي جوهرها فن كسب القلوب قبل إدارة العقول.
والمؤسسة التي تسمح لفكرة “الشخص الأكبر منها” أن تتجذر، إنما تعلن هشاشتها بنفسها؛ لأنها تتحول تدريجيًّا إلى رهينة مزاج الأفراد بدل أن تقاد ببوصلة الأهداف والرؤية.
العودة إلى الرشد المهني
ليس عيبًا أن تطمح إلى الصدارة، ولا خطأ أن تدرك قيمة موهبتك؛ لكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الموهبة إلى مبررٍ للاستعلاء. التواضع في القمة هو صمام الأمان، والمؤسسية في الأداء هي ضمانة الاستمرار.
تذكر دائمًا أن “الموظف الذي لا غنى عنه” ليس سوى خرافةٍ دفع كثيرون ثمن تصديقها من رصيد احترامهم المهني.
كن كبيرًا بمواقفك، عظيمًا بتواضعك، منضبطًا بانتمائك للمنظومة؛ فالمكان الذي أتاح لك أن تشرق، يستحق منك الوفاء… لا التعالي.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



