العرب في بريطانيا | بين “صفير المدرّجات” و“عرق الميدان”: لماذا يجب ...

1447 شعبان 20 | 08 فبراير 2026

بين “صفير المدرّجات” و“عرق الميدان”: لماذا يجب أن تكتتب اسمك في تشكيلة الحياة؟

بين “صفير المدرّجات” و“عرق الميدان”: لماذا يجب أن تكتتب اسمك في تشكيلة الحياة؟
عدنان حميدان February 7, 2026

في عالم كرة القدم، هناك مدرّبان، واثنان وعشرون لاعبًا فقط؛ يركضون، يتصبّبون عرقًا، يصطدمون، ويكتبون شيئًا من التاريخ على العشب. أمّا الملايين الباقون، فيكتفون بالمراقبة من بعيد: يصفّقون حينًا، ويصرخون غضبًا حينًا آخر، لكنّهم في نهاية المطاف يظلّون “جمهورًا” يغادر المدرّجات بعد الصافرة، ليعود إلى حياةٍ عاديّة لا يتغيّر في واقعها شيء.

وهذا المشهد — على إثارته الرياضية — يخبّئ أكبر فخّ يمكن أن يسقط فيه الإنسان في رحلته: أن يتحوّل، وهو في مقتبل طموحه أو ذروة عطائه، من فاعلٍ في قدره إلى مجرّد “مشاهد” لنجاحات الآخرين، أو ناقدٍ لتعثراتهم؛ بينما تظلّ حياته ومستقبله ساحةً فارغة تنتظر من “يلعب” فيها نيابةً عنه.

حياتك ليست “بثًّا مباشرًا” للمشاهدة

les gens qui regardent un match de baseball pendant la journée

المنطق الذي أريد ترسيخه بسيطٌ لكنه حاسم: هذه حياتك، وهذا مستقبلك، ولا يجوز أن تتركهما ملعبًا مستباحًا لغيرك. لا تقف على شرفة الجمهور تراقب الأيام وهي تمرّ، ثم تكتفي بإبداء الرأي في قرارات الآخرين التي تمسّ عيشك ومستقبل أبنائك.

الجلوس في مقاعد المتفرّجين يعني — ببساطة — أنك تنازلت عن حقّك في صياغة الواقع الذي تعيشه، وعن دورك في تشكيل البيئة التي ينمو فيها أطفالك. النزول إلى الملعب ليس خيارًا ترفيهيًا، بل هو واجب الوجود: أن تخوض معركتك بنفسك، وأن تدرك أنّ قيمة المرء في الأثر الذي يصنعه بما يبذله، لا في الضجيج الذي يرفعه اعتراضًا أو هتافًا من بعيد.

ضريبة الميدان: المال والجهد والوقت

اللاعب لا يبلغ منصّة التتويج بالصدفة؛ إنّه يدفع ضريبةً قاسية من وقته وجهده وماله. وبالقدر نفسه، فإن صناعة المستقبل لا تتمّ بالرغبة وحدها، بل بالاستثمار الحقيقي في النفس. لا تنتظر تبدّل واقعك وأنت تبخل بوقتك عن عملٍ مثمر، أو بجهدك عن مبادرةٍ تطويرية، أو بمالك عن مشروعٍ يبني كيانك وكيان من تحب.

الاستثمار في النفس هو “الإحماء” الحقيقي قبل المباراة: أن تتعلّم، أن تطوّر مهاراتك، أن تفهم قواعد اللعبة في المجتمع وموازين التأثير فيه… فذلك ما يجعلك لاعبًا قادرًا على أن يكون “رقمًا صعبًا” في معادلة النجاح. لا تكن مشجّعًا يكتفي بالتمنّي وهو جالس؛ كن لاعبًا يسعى للإنجاز وهو يركض.

اختر موقعك في “التشكيلة”

un groupe de jeunes garçons jouant au soccer

الجميل في “ملعب الحياة” أنه يتّسع للجميع، لكنّه لا يتّسع للكسالى. قد تختار أن تكون مهاجمًا يقتنص الفرص، يبادر، ويصنع التحوّلات التي تترك بصمةً واضحة في محيطه. وقد تكون مدافعًا صلبًا يحمي المكتسبات، ويذود عن القيم، ويقف في وجه ما يهدّد استقرار أسرته ومبادئه.

ربما تجد نفسك في الوسط: “دينامو” يربط بين الأطراف، ينسّق الجهود، ويصنع التوازن في بيئة العمل أو داخل العائلة. وقد تكون حارس المرمى الذي يتصدّى للأزمات، ويمنع دخول اليأس إلى القلوب ساعة الضيق.

وحتى إن كنت في مقام المدرب، فهو نزولٌ من نوع آخر: توجيه الأجيال، نقل الخبرات، ورسم الخطط. تذكّر دائمًا: المدرب جزء من اللعبة؛ يقف على خط التماس لكنه يغرق في تفاصيلها، ولا يجلس في المقاهي ينتظر النتائج ليعلّق عليها فحسب.

لماذا نرفض دور “المشجّع”؟

المشجّع — مهما أحبّ — لا يملك من أمره شيئًا: إن خسر الفريق حزن وبكى، لكنه لا يغيّر النتيجة. أمّا اللاعب، فحتى لو خسر جولة، يملك شيئًا أثمن: القدرة على تحليل أخطائه، والتدرّب أكثر، والعودة بروحٍ أصلب في المباراة القادمة.

نحن بحاجة إلى ثقافة “الاشتباك الإيجابي” مع الواقع: أن نكفّ عن لوم “الحَكَم” — الظروف، الحظ، أو الآخرون — وأن نركّز على مهاراتنا فوق العشب. إن الانخراط في الشأن العام، والمشاركة في المؤسسات المدنية، والفاعلية في الدوائر المهنية… هو النزول الحقيقي إلى الملعب.

كل دقيقة تُهدرها في “تشجيعٍ سلبي” هي دقيقة مسروقة من عمر إنجازك. وكل جهدٍ تبخل به على بناء ذاتك وتأمين مستقبلك، ستدفعه لاحقًا أضعافًا مضاعفة كضريبة للتهميش والغياب.

النداء الأخير: انزل إلى العشب

person playing soccer

لا تترك حياتك للصدفة، ولا تترك مقعدك شاغرًا في كتابة قصتك. إن المسؤولية تجاه نفسك وتجاه من تعول تحتم عليك أن تكون فاعلًا لا متفرّجًا.

الميدان ينتظرك، والكرة في ملعبك الآن. وتذكّر: التاريخ لا يدوّن أسماء الجماهير في سجلّ الأبطال، بل يخلّد أسماء الذين تركوا عرقهم على العشب… وبصمتهم في قلوب الناس.

كن أنت اللاعب. كن أنت القائد. وبادر… فالحياة لا تمنح جوائزها لمن يكتفي بالمراقبة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة