بيتٌ معلّق بسلك واحد.. لماذا تعيدنا بريطانيا إلى مونة الجدّات؟
وقفتُ قبل أيام في مطبخ بيتي هنا في بريطانيا، وسألت نفسي: لو انقطعت الكهرباء الآن، فما الذي سيبقى يعمل في هذا البيت؟ والجواب: لا شيء تقريبًا.
فالطبّاخ الذي ما زلنا نسمّيه بحكم العادة “الغاز” يعمل بالكهرباء، والثلاجة والفرن والغسالة كذلك، فضلًا عن الإنارة، وحتى التدفئة التي نعتمد عليها في شتاء بريطانيا الطويل، أمّا البيت فكله معلّق بسلك واحد، فإذا انقطع توقّف كلّ شيءٍ به.
من هنا نفهم لماذا دعا وزير الدفاع ويس ستريتنغ الناس إلى أن يحتفظوا في بيوتهم بشيء من الماء، وطعام لا يحتاج إلى طبخ، وبعض النقود، ليتدبّروا أمرهم ثلاثة أيام إذا تعطّلت الخدمات، إنّها دعوة بسيطة، لكنها تكشف كيف بُني هذا البلد.
بيوتنا هناك.. وبيوتهم هنا
في بيوتنا العربية، ولا سيما في البلاد التي مرّت بحروب وحصار وضوائق، لا يحتاج الناس إلى من يذكّرهم بأهمية الاستعداد لانقطاع الخدمات.
تجد صوبة الكاز أو السولار أو موقد الحطب، وعلبة الشموع في الدرج، وألواح الطاقة الشمسية على السطح، واشتراكًا مع الجيران في مولّد أو بطاريات يعوّض كهرباء الدولة وأحيانًا يحلّ محلّها.
تجد أسطوانة الغاز، ومن عنده اثنتان أو ثلاث يطمئن إلى قدرته على إعداد الطّعام أيّامًا طويلة، وربّما أسابيع، وتجد قوارير الماء مصفوفة في زاوية المطبخ.
هذه التفاصيل ليست جزءًا مألوفًا من ثقافة البيت الإنجليزي التقليدي، فالناس اعتادوا أن الكهرباء والماء والشبكة والمتجر القريب موجودة دائمًا، والبطاقة البنكية تفتح كل الأبواب.
وهي فكرة صحيحة في الأيام العادية، والحمد لله على استقرار الخدمات هنا، لكن الدولة الحكيمة لا تخطط للأيام العادية فقط.
درهم وقاية خير من قنطار علاج
العالم اليوم مترابط على نحو غير مسبوق، توتر في مضيق هرمز قد يرفع أسعار الطاقة، وحرب بين دولتين قد تعطّل سلاسل الإمداد، وجفاف أو فيضان قد يؤخّر البضائع، وهجوم إلكتروني قد يعطّل أجهزة الدفع في السوبرماركت فتبقى الرفوف ممتلئة ولا تستطيع أن تشتري.
الدولة تقول ببساطة: لا أريد لأزمة في مكان بعيد أن تربك البيوت هنا.
وهذه ليست دعوة للهلع، ولا إلى تكديس السّلع، فالحكومة نفسها طلبت استعدادًا تدريجيًا بكلفة قليلة، لا شراء كميات كبيرة، والوزير يريد الناس منتبهين لا مذعورين، ودون إثارة المخاوف أو تحويل البيوت إلى مستودعات ومخازن.
والفكرة أعمق من التخزين: حين تتدبّر كل أسرة قادرة أمرها بنفسها، تتفرّغ فرق الطوارئ لكبار السن والمرضى ومن لا يستطيع.
مونة الجدّات
ذكّرتني هذه الدعوة بجدّاتنا، حين كان لكل بيت “عليّة” أو زاوية للمونة: تُرصّ فيها أكياس القمح والعدس والبرغل، والزيت والزيتون، والمربّى والمكدوس. لم يكن ذلك خوفًا بل تدبيرًا، يعيشون به بين موسم وموسم، وبين رحلة الشتاء والصيف.
وفي قصّة يوسف عليه السلام درس بليغ، في التخطيط لأيّام الشّدّة، فقد خزّن القمح في سنوات الخير من أجل سنوات الشدّة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اعقلها وتوكّل”.
ولعلّنا -نحن العرب والمسلمين المقيمين في بريطانيا- نستطيع أن نقدّم هنا شيئًا جميلًا: أن نكون الجيران الذين يُعتمد عليهم إذا انقطعت الكهرباء في الحيّ، وأن نسأل عن الجار المسنّ قبل أن نسأل عن أنفسنا.
احذروا الفيديوهات المضلّلة
في الأيام الماضية انتشرت عبر مجموعات الواتساب فيديوهات لرفوف فارغة وأشخاص يتزاحمون في المتاجر، مع عبارات مثل “بريطانيا تنهار”. غير أنّ بعض هذه المقاطع قديم، يعود إلى أيّام وباء كورونا، وإلى أزمات في بلاد أخرى، وبعضها صوّر أثناء عروض وتخفيضات تزاحم فيها الناس على سلعة رخيصة، ثم أُعيد نشره كأنه هلع من أزمة حالية، وهذا غير صحيح.
نشر هذه المقاطع لا يحمي أحدًا، بل يصنع الذعر، والذعر هو الذي يفرغ الرفوف فعلًا.
فقبل أن ترسل أي فيديو اسأل: متى صُوّر؟ وأين؟ ومن مصدره؟ وإن لم تعرف فلا ترسله.
لنستعدّ بهدوء، دون مبالغة ولا تجاهل.
فالمونة كانت دائمًا من حكمة بيوتنا، لا من خوفها.
لقد علّمتنا مونة الجدّات أن حسن التدابير لا يناقض الطمأنينة، وأن الاستعداد لا يعني التشاؤم؛ لأنّه ببساطة احترام النعمة وحسن التعامل معها.
الحذرَ الحذر، والحكمةَ الحكمة.
الرابط المختصر هنا ⬇


