كيف تحولت بريطانيا إلى الوجهة الأولى للأغذية المتوافقة مع الشريعة في أوروبا؟ وما البلد الأول عالمياً؟
في قلب العاصمة البريطانية لندن، وتحديداً في شوارع مايفير الراقية وإيجور رود الحيوية، لم يعد مشهد لافتة حلال مجرد إشارة لمطعم صغير في زاوية الشارع، بل باتت هذه الكلمة تمثل معياراً للجودة والفخامة في صناعة الغذاء البريطانية لعام 2026. ومع تجاوز قيمة الاستثمارات في قطاع الأغذية الحلال حاجزاً تاريخياً، تبرز بريطانيا كأقوى دولة غير مسلمة في الغرب توفر هذه الخدمات، محتلة المركز الثاني عالمياً خلف سنغافورة.
سنغافورة وبريطانيا: صراع القمة في عالم الحلال

مع أن سنغافورة لا تزال تحتفظ بالمركز الأول عالمياً بوصفها أفضل دولة غير مسلمة توفر بيئة صديقة للمسلمين (وفقاً لمؤشر سفر المسلمين العالمي GMTI 2026)، فإن بريطانيا تتفوق في معيار تنوع السوق وحجم الاستهلاك. فبينما تعتمد سنغافورة على التنظيم الحكومي المركزي الصارم عبر المجلس الإسلامي السنغافوري (MUIS)، تعتمد بريطانيا على قوة الباوند الشرائية التي يمتلكها أكثر من 4 ملايين مسلم يعيشون على أراضيها، إضافة إلى ملايين الزوار العرب سنوياً.
اقتصاد الباوند الحلال: أرقام تفرض نفسها
تشير تقارير غرفة التجارة البريطانية في الربع الأول من عام 2026 إلى أن القوة الشرائية للمستهلك المسلم في بريطانيا قد تطورت بشكل مذهل.
- حجم الإنفاق: يُقدر إنفاق المسلمين على الأغذية الحلال في المملكة المتحدة بنحو 40 مليار باوند سنوياً.
- التغلغل في المتاجر الكبرى: لم تعد متاجر تيسكو (Tesco) وأزدا (ASDA) تكتفي بتخصيص رفوف صغيرة، بل أصبحت تضم أقساماً متكاملة للحوم الطازجة المعتمدة من هيئة الرقابة على الأغذية الحلال (HMC)، حيث تضاعفت مبيعات هذه الأقسام بنسبة 25 في المئة خلال العامين الماضيين.
- سلاسل الوجبات السريعة: باتت بريطانيا تضم أكبر عدد من فروع المطاعم العالمية (مثل Nando’s وSubway وPopeyes) التي تقدم قوائم طعام حلال بالكامل مقارنة بأي دولة أوروبية أخرى.
العرب في بريطانيا: من الاستهلاك إلى صناعة القرار

بالنسبة للعرب المقيمين أو السياح في لندن ومانشستر وبيرمنغهام، يمثل عام 2026 العصر الذهبي للطعام. فالتطور لم يتوقف عند توفير اللحوم، بل امتد ليشمل تجربة الطعام الفاخر.
ثورة الستيك هاوس (Steakhouses):
شهدت لندن في العام الأخير افتتاح أكثر من 30 مطعم ستيك فاخر تقدم لحوم واغيو وتومهاوك الحلال، وهي تجربة كانت تفتقر إليها أوروبا سابقاً. هذا التوجه جاء مدفوعاً بطلبات المستثمرين العرب الذين ضخوا مليارات الباوندات في قطاع الضيافة اللندني.
الحلال العضوي والمستدام:
برزت في عام 2026 موجة جديدة يتبناها الشباب العرب والمسلمون في بريطانيا، وهي الحلال الطيب (Tayyib)، التي لا تكتفي بالتركيز على طريقة الذبح، بل تهتم بجودة حياة الحيوان واستدامة المزارع البريطانية في ويلز واسكتلندا، ما جعل الباوند البريطاني يساهم في دعم الزراعة المحلية الأخلاقية.
لماذا تتفوق بريطانيا على جاراتها الأوروبيات؟

عند مقارنة بريطانيا بفرنسا أو ألمانيا، نجد فجوة واسعة في الاعتراف المؤسسي بالطعام الحلال. فبينما تواجه هذه الصناعة عقبات سياسية في بعض الدول الأوروبية، تعتبر الحكومة البريطانية قطاع الحلال ركيزة أساسية في استراتيجية بريطانيا العالمية (Global Britain) ما بعد بريكست.
- الرقابة والشفافية: يوجد في بريطانيا أكثر من 5 هيئات كبرى لمنح شهادات الحلال، أشهرها (HMC) التي تفرض رقابة ميدانية يومية. هذه الشفافية جعلت المستهلك العربي يثق في الباوند الذي يدفعه مقابل وجبته، لعلمه بوجود رقابة صارمة خلف الكواليس.
- التصدير العالمي: أصبحت بريطانيا في 2026 مصدراً رئيساً للحوم الحلال إلى دول الخليج وشمال إفريقيا، حيث تُقدر قيمة هذه الصادرات بمئات الملايين من الباوندات.
ترتيب الدول غير المسلمة الأكثر توفيراً للحلال 2026
وفقاً للتصنيفات الأخيرة، تواصل سنغافورة صدارتها العالمية في آسيا والمحيط الهادئ بفضل نظام التنظيم الحكومي والاعتماد المركزي الصارم. وتحل المملكة المتحدة في المركز الثاني عالمياً والأول أوروبياً، مستمدة قوتها من القوة الشرائية العالية للباوند والتنوع المطبخي الهائل. وجاءت تايلاند في المرتبة الثالثة بصفتها مطبخ العالم للتصنيع الغذائي، تليها جنوب إفريقيا في المركز الرابع بفضل رقابتها الصارمة وتاريخها العريق في الإنتاج، في حين احتلت تايوان المركز الخامس نتيجة نمو سياحتها الحلال المبتكرة.
العقبات التكنولوجية والباوند الرقمي
في عام 2026، دخلت التكنولوجيا على خط الأغذية الحلال في بريطانيا. بدأ العديد من المطاعم والمتاجر في لندن باستخدام تقنية البلوكشين لتتبع مصدر اللحوم. يمكن للمستهلك الآن عبر تطبيق هاتفي مسح الرمز الموجود على المنتج ليعرف بالضبط المزرعة التي خرج منها الحيوان وتاريخ ذبحه والجهة التي أشرفت عليه. هذا الاستثمار التقني كلف قطاع الحلال ملايين الباوندات، لكنه رفع من قيمة العلامة التجارية البريطانية للحلال عالمياً.
خاتمة
إن القصة في بريطانيا ليست مجرد توفير طعام، بل هي قصة نجاح اقتصادي واجتماعي. لقد أثبتت بريطانيا أن احترام الخصوصية الثقافية والدينية للمواطنين والزوار هو أقصر طريق لتحقيق الازدهار الاقتصادي. وبفضل قوة الباوند ووعي الجالية العربية والمسلمة، تظل لندن العاصمة غير الرسمية للحلال في العالم الغربي، والوجهة التي يجد فيها العربي هُويته.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
