الإندبندنت: لماذا قد يضر خفض معدلات الهجرة إلى الصفر بجيوب دافعي الضرائب ببريطانيا؟
بينما يواصل رئيس الوزراء كير ستارمر التنبيه على ضرورة خفض أرقام الهجرة، وتقديم ذلك كتصحيح لسياسات سابقة وصفها بـ«التجربة غير المنضبطة»، يتصاعد في المقابل نقاش اقتصادي أقل صخبًا لكنه أكثر تعقيدًا: ماذا لو تحقق هدف «صافي هجرة صفري»؟ وهل تكون التكلفة المالية لذلك أعلى مما يتوقعه الرأي العام؟
التساؤل لا يأتي من معسكر مؤيد للهجرة لأسباب إنسانية، بل من مؤسسات اقتصادية مستقلة، في مقدمتها معهد الدراسات المالية (IFS)، الذي يحذر من أن تراجع أعداد المهاجرين قد يؤدي إلى فجوة مالية تدفع الحكومة إلى رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق العام.
توقعات الربيع

وفقا لصحيفة الإندبندنت، فإن وزيرة الخزانة البريطانية ريتشيل ريفز تستعد لتقديم ما أسمته هذا العام «توقعات الربيع» بدلًا من «بيان الربيع» التقليدي. الفارق ليس شكليًا فحسب، بل جوهري أيضًا، إذ لن يصدر مكتب مسؤولية الموازنة (OBR) تقريره المعتاد لتقييم ما إذا كانت الحكومة تسير وفق قواعدها المالية الهادفة إلى إبقاء الدين العام تحت السيطرة.
غياب هذا التقييم يمنح الحكومة مساحة أوسع للمناورة. ففي العام الماضي، أجبر تقرير المكتب الذي أظهر انحراف الحكومة عن أهدافها المالية ريفز على الإعلان عن خفض معدل الزيادة في إنفاق إعانات الإعاقة، قبل أن تتراجع لاحقًا تحت ضغط نواب حزب العمال.
هذا العام، تشير التقديرات إلى أن ريفز ستحاول إبقاء الحدث المالي «هادئًا» قدر الإمكان، مع تأجيل أي قرارات صعبة إلى موازنة الخريف، حين يصدر التقييم السنوي للمكتب.
الهجرة… من شعار سياسي إلى معضلة مالية

رئيس الوزراء كير ستارمر كان قد أكد في خطاب سابق أنه يؤمن بضرورة خفض أرقام الهجرة، منتقدًا الحكومة المحافظة السابقة بسبب تضاعف صافي الهجرة عدة مرات، وواصفًا ذلك بأنه «تجربة حدود مفتوحة في بلد صوّت من أجل السيطرة».
وتُظهر أحدث البيانات أن صافي الهجرة انخفض إلى 204 آلاف شخص في العام المنتهي في يونيو/حزيران 2025، مقارنة بذروة بلغت 944 ألفًا في مارس/آذار 2023. بل إن بعض الخبراء رجّحوا أن يصل صافي الهجرة إلى «الصفر» هذا العام، أي أن عدد المغادرين قد يفوق عدد القادمين للاستقرار.
سياسيًا، قد يبدو ذلك إنجازًا. لكن اقتصاديًا، الصورة أكثر تعقيدًا.
لماذا قد يعني خفض الهجرة ضرائب أعلى؟

يرى معهد الدراسات المالية (IFS) أن المهاجرين يساهمون في الاقتصاد عبر العمل ودفع الضرائب، إضافة إلى رسوم التأشيرات والرسوم الصحية المفروضة على بعضهم. كما أن وجودهم، ولا سيما في سن العمل، يسد فجوات في سوق العمل، ويخفف الضغط عن بعض قطاعات الخدمات العامة.
في المقابل، يستفيد المهاجرون من الخدمات العامة أيضًا. لكن المعهد يشير إلى أن الغالبية من الوافدين الجدد هم في سن العمل، وأكثر ميلًا للاشتغال، وأقل استخدامًا للخدمات الصحية والرعائية المكلفة، فضلًا عن أن كثيرين منهم لا يحق لهم المطالبة بإعانات خلال السنوات الأولى من إقامتهم.
ومع أن بعض معارضي الهجرة يجادلون بأن زيادة عدد السكان تعني أن نصيب الفرد من الناتج المحلي لا يرتفع بالضرورة، فإن معظم الاقتصاديين يرون أن الهجرة في سن العمل ترفع الناتج بمعدل يفوق الزيادة في عدد السكان.
هل ترتفع الضرائب فعلًا؟
المسألة ليست حتمية، لكنها احتمال وارد. فإذا تراجع صافي الهجرة كثيرًا، واستمر انخفاض معدلات الخصوبة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام فجوة مالية يصعب سدّها دون زيادات ضريبية.
اقتصاديون في المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية حذّروا من أن صافي هجرة صفري «لن يكون مستدامًا ماليًا» ما لم تُرفع الضرائب بطريقة ملموسة. لكنهم نبّهوا في الوقت ذاته إلى أن زيادات ضريبية كبيرة قد تعرقل النمو الاقتصادي.
بعبارة أخرى، ما يبدو مكسبًا سياسيًا في ملف الهجرة قد يتحول إلى تحدٍ مالي صامت، يُعاد طرحه بقوة في موازنة الخريف.
المصدر: الإندبندنت
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
