العنصرية والطائفية.. عاصفة تدمر البلاد بصمت
في كلِّ مجتمع يسعى إلى النهوض، تقف العنصرية والطائفيّة كجدارٍ صلب يعيق العبور إلى المستقبل. فهما منظومتان فكريّتان خطيرتان تنبتان في العقول قبل أن تتجلّيا في السلوك، وتتحوّلان مع الوقت إلى عاصفةٍ صامتةٍ قادرة على تمزيق أيّ مجتمع مهما بدا قويًّا ومتماسكًا.
تنطلق العنصريّة من فكرةٍ صغيرة يزرعها خطابٌ متشنّج أو تربية منحازة، ثمّ تكبر لتصبح نظرةً دونيّة تجاه الآخر المختلف لونًا أو لغةً أو أصلًا أو ثقافةً. أمّا الطائفيّة فتولد حين تتحوّل العقيدة الدينية أو المذهبية من مساحة للسلام والروحانيّة إلى سلاحٍ حادّ يقسّم أبناء الوطن الواحد إلى كتلٍ متصارعة. وكلاهما—العنصريّة والطائفيّة—يقوم على الإقصاء، وعلى فكرة «نحن» في مقابل «هم»، وهي فكرة إذا استوطنت العقول أطفأت نور الوعي وأغلقت أبواب الإدراك.
لم يشهد التاريخُ مجتمعًا ارتقى إلى مصافّ الحضارة وهو محاصرٌ بالكراهية. فالتنوّع كان دائمًا وقود الإبداع، والاختلاط مصدر القوّة. المدن التي ازدهرت عبر القرون لم تتألّق لأنّها بلونٍ واحد، بل لأنّها احتضنت اختلافات الناس وحوّلتها إلى فسيفساء إنسانية جميلة. وعلى النقيض، فإنّ الدول التي سقطت في مستنقع النزاعات الطائفية انتهت إلى نتائج مأساوية: اقتصاد منهك، هجرة جماعية، انهيار مؤسسات، وانتشار خطابات الثأر والانتقام.
وأخطر ما في العنصرية والطائفية أنّهما لا تؤذيان المختلف فحسب، بل تهدمان المجتمع من الداخل؛ فالمواطن الذي يشعر أنّه غير مرغوب فيه أو مهدَّد بسبب هويته لن يجد طريقًا إلى الانتماء، بل سيلجأ إلى الهروب. وهكذا تتفكك الوحدة الوطنية، وتتحول البلاد إلى جزر متباعدة، وتبدأ بخسارة طاقاتها وخبراتها، لأنّ الكفاءات لا تنمو في بيئة الخوف والتمييز.
وللتمييز خسائره الاقتصادية والفكرية أيضًا. فالمؤسسات والمجتمعات التي تسمح بوجوده تفقد قدرتها على الإبداع، إذ إنّ الإبداع يحتاج إلى بيئة آمنة تُحترم فيها الاختلافات ويُشجَّع فيها النقاش. أما الطائفية فتغلق أبواب الحوار، وتجعل الحقيقة حكرًا على فئةٍ واحدة، فيتحول المجتمع إلى قوالب جامدة تمنع التجديد وتخنق التطوّر. ومجتمعٌ منقسم كهذا لا يستطيع مواجهة أزماته، ولا يقدر على بناء مستقبل متعافٍ.
ومن المؤسف أن كثيرًا من الصراعات في عالمنا العربي وليدة هذه الآفات. فنحن اليوم ندفع ثمن عقودٍ من التجييش الطائفي والتحريض العنصري، اللذين حوّلا أبناء الوطن الواحد إلى خصوم، رغم أنّهم يتشاركون الأرض واللغة والتاريخ والآلام والأحلام ذاتها. وقد استطاعت قوى داخلية وخارجية استغلال هذه الفجوات لتفتيت المجتمعات، إدراكًا منها أنّ الأمة الموحّدة يصعب كسرها، فيما الأمة المنقسمة تُهزم بسهولة.
ومع ذلك، فإنّ العلاج ليس مستحيلًا. فالبداية تكون من التربية على قيم المواطنة، وتعليم الأطفال أنّ الاختلاف طبيعيّ وليس تهديدًا. يجب أن تنفتح المدارس على قيم العدالة والتسامح، وأن تتخلّص وسائل الإعلام من خطاب الكراهية، وأن تتبنّى الدول قوانين صارمة تجرّم التحريض وتعاقب من يزرع سموم التفرقة. كما يبقى للمجتمع المدني دور محوري في بناء جسور الثقة بين مكوّنات المجتمع المختلفة.
نحن بحاجة إلى وعيٍ جديد يرسّخ أنّ الانتماء الحقيقي ليس لطائفة أو لون أو عائلة، بل للإنسان أولًا، وللوطن الذي يجمعنا ثانيًا. وكلما اتسعت دائرة الانتماء ضاقت مساحة الكراهية، وكلما تعلّم الناس احترام اختلافاتهم ازدهرت المجتمعات وهدأت النفوس.
إنّ مستقبل أوطاننا مرهون بقدرتنا على مواجهة هذه الآفات بوعي، وبخطابٍ إنساني يرفع قيمة الإنسان لا قيمة الانقسام. فالمجتمع الذي يتجاوز العنصرية والطائفية لا يربح وحدته فحسب، بل يربح كرامته، واستقراره، وحقه في غدٍ يليق بأبنائه.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
