السجائر الإلكترونية في بريطانيا.. بوابة جديدة لإدمان النيكوتين أم بديل أقل ضررًا؟
تكشف أحدث بيانات منظمة “مكافحة التدخين البريطانية” (ASH) أن عدد مستخدمي السجائر الإلكترونية في بريطانيا العظمى، ممن لم يدخنوا التبغ قط، يقترب من 400 ألف شخص، في ارتفاع لافت خلال عام واحد.
ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالًا يشغل الأطباء وصناع القرار: هل تحولت أداة الإقلاع عن التدخين إلى باب خلفي لإدمان النيكوتين، أم أنها لا تزال البديل الأقل ضررًا لملايين المدخنين؟
ماذا تقول الأرقام؟
وفق مسح المنظمة لعام 2026، الذي شمل أكثر من 13 ألف بالغ، يستخدم السجائر الإلكترونية 10% من البالغين في بريطانيا العظمى، أي نحو 5.5 ملايين شخص. ومن هؤلاء، 60% مدخنون سابقون (3.3 ملايين)، و32% ما زالوا يدخنون (1.7 مليون)، و8% لم يدخنوا قط (400 ألف).
اللافت أن هذه النسبة الأخيرة تضاعفت تقريبًا. ففي مسح العام الماضي كان 0.9% فقط من غير المدخنين يستخدمون السجائر الإلكترونية، أي نحو 260 ألف شخص، وارتفعت النسبة هذا العام إلى 1.5%، أي نحو بالغ واحد من كل 70 ممن لم يدخنوا قط.
الشباب في قلب المشهد

دقت دراسة لجامعة لندن (UCL) نُشرت في مجلة “لانسيت للصحة العامة” ناقوس الخطر مبكرًا. فقد قدّرت أنه حتى إبريل 2024 كان نحو مليون بالغ في إنجلترا ممن لم يدخنوا بانتظام يستخدمون السجائر الإلكترونية، بزيادة سبعة أضعاف منذ 2021، وأغلبهم يستخدمونها يوميًا ولفترات طويلة.
وأوضحت الدراسة أن الشباب قادوا هذه الزيادة، إذ يستخدمها واحد من كل سبعة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا دون أن يكونوا مدخنين منتظمين.
غير أن الباحثين نبّهوا إلى أن الفئة التي درسوها أوسع من الذين لم يدخنوا سيجارة واحدة في حياتهم، وأن النسبة بين من لم يدخنوا مطلقًا ستكون على الأرجح أقل، وهو ما تؤكده أرقام (ASH) الحديثة.
وعلى صعيد المراهقين، تُظهر بيانات 2026 أن 19% ممن تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عامًا جربوا السجائر الإلكترونية، أي نحو 1.1 مليون.
ويستخدمها حاليًا 6% منهم، أي 370 ألف طفل، مع استقرار نسبة التجربة بين 18 و20% منذ 2023. أما بين المراهقين الذين لم يدخنوا قط، فتبقى نسبة الاستخدام منخفضة عند 1.4%، و78% ممن جربوها منهم، إذ لم يتجاوزوا مرة أو مرتين.
الوجه الآخر للصورة
في المقابل، يواصل التدخين التقليدي تراجعه، إذ انخفض التدخين اليومي من 9.7% عام 2020 إلى 6.6% عام 2026. ويُنظر إلى السجائر الإلكترونية على نطاق واسع بوصفها من أدوات الإقلاع عن التدخين.
لهذا تتعامل الباحثة الرئيسة في دراسة UCL، الدكتورة سارة جاكسون، مع الأرقام بحذر. فهي ترى أن الأثر الصحي لهذا الارتفاع يتوقف على ما كان هؤلاء سيفعلونه لولا السجائر الإلكترونية، وترجح أن بعضهم كان سيلجأ إلى التدخين، وفي هذه الحالة يكون الضرر أقل بوضوح.
لكن الباحثين حذروا أيضًا من أن الاستخدام الطويل والمستمر قد ينطوي على مخاطر أكبر لمن لم يكونوا ليدخنوا أصلًا.
كيف تتحرك الحكومة؟

بدأت السلطات البريطانية التحرك تشريعيًا، فقد حظرت الحكومة العام الماضي بيع السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد؛ بسبب المخاوف من انتشارها بين الشباب وأضرارها البيئية. وفي الـ29 من إبريل 2026، نال قانون التبغ والسجائر الإلكترونية (Tobacco and Vapes Act) الموافقة الملكية.
ويحظر القانون الإعلان والرعاية للسجائر الإلكترونية ومنتجات النيكوتين، ويمنح الحكومة صلاحيات لتنظيم تغليفها ونكهاتها وطريقة عرضها، إضافة إلى صلاحيات لإنشاء نظام ترخيص لتجار التبغ والسجائر الإلكترونية ومنتجات النيكوتين.
كما يرسي القانون حظرًا تدريجيًا على التبغ، إذ يُمنع بيعه لكل من وُلد في 1 يناير 2009 أو بعده، ابتداء من 1 يناير 2027.
لكن هذه الإجراءات لا تحظى بإجماع. فقد أبدت المجموعة البرلمانية المعنية بالاستخدام المسؤول للسجائر الإلكترونية قلقها من أن تؤدي القيود على النكهات والإعلانات إلى تراجع عدد المدخنين الذين يتحولون إلى السجائر الإلكترونية.
معادلة صعبة
تقف بريطانيا أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي جيلًا لم يعرف التدخين من الوقوع في إدمان النيكوتين، دون أن تغلق في وجه ملايين المدخنين بابًا أثبت فاعليته في مساعدتهم على الإقلاع؟
تقول الأرقام: إن الظاهرة حقيقية ومتصاعدة بين غير المدخنين، لكنها لا تزال محدودة الحجم مقارنة بما يُتداول على منصات التواصل. وتبقى الأشهر المقبلة، مع بدء تطبيق القانون الجديد، اختبارًا لقدرة الحكومة على تحقيق هذا التوازن.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇