الجارديان: الأطباء الأجانب يعزفون عن القطاع الصحي NHS لهذا السبب
حذّرت جانيت ديكسون، رئيسة أكاديمية الكليات الطبية الملكية (Academy of Medical Royal Colleges) التي تمثل المصالح المهنية لنحو 220 ألف طبيب في بريطانيا وإيرلندا، من أن عدداً متزايداً من الأطباء والممرضين القادمين من الخارج باتوا يعزفون عن العمل في هيئة الصحة الوطنية (NHS) بسبب تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين وتنامي العنصرية، ما يخلق “بيئة عدائية” تجعل بريطانيا تبدو “غير مرحِّبة وعنصرية” في نظر الكثيرين.
أرقام مقلقة: مغادرة قياسية وتباطؤ في الاستقدام بعد “بريكست”

بحسب ما نُقل عن ديكسون، تشهد المنظومة الصحية البريطانية مستويات قياسية من استقالات الأطباء المولودين خارج بريطانيا، في وقت توقف فيه الزخم الذي شهده القطاع بعد “بريكست” في جذب كوادر أجنبية للعمل داخل الـNHS.
وفي موازاة ذلك، سجّل القطاع هبوطاً حاداً خلال العام الماضي في أعداد الممرضين والقابلات المنضمين حديثاً إلى الـNHS، ما يفاقم أزمة التوظيف ويضغط على الخدمة الصحية بشكل متزايد.
“من دونهم قد ينهار النظام”: الاعتماد على الكوادر الدولية بلغ ذروته
تؤكد ديكسون أن الـNHS يعتمد على العاملين القادمين من الخارج منذ تأسيسه عام 1948، لكن هذا الاعتماد وصل اليوم إلى مستوى غير مسبوق. وتستشهد ببيانات المجلس الطبي العام (GMC) التي تشير إلى أن 42% من أطباء بريطانيا مؤهلون من خارج البلاد.
وترى ديكسون أن استمرار النزيف في الكوادر الأجنبية قد يدفع الخدمة الصحية إلى فقدان “الكتلة الحرجة” اللازمة لتشغيلها بأمان، محذّرة من أن الـNHS قد “يسقط” إذا اتسعت موجة المغادرة ولم تُعالج أسبابها.
أسباب العزوف: خطاب سياسي وإعلامي… وعنصرية داخلية ومن المرضى

تربط ديكسون تراجع رغبة الأطباء والممرضين الأجانب بالقدوم إلى بريطانيا أو الاستمرار فيها بمجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:
- الخطاب السياسي المتشدد تجاه الهجرة وما يُفهم منه أن “المهاجر مشكلة”.
- التغطيات الإعلامية والنقاشات العامة التي تعزز انطباعاً سلبياً عن المهاجرين.
- إساءات عنصرية داخل أماكن العمل تستهدف خريجي الطب الدوليين من بعض الزملاء.
- سلوك عدائي وعنصري من بعض المرضى تجاه العاملين من الأقليات العرقية في الـNHS.
وتقول ديكسون إن صورة بريطانيا في الخارج—خصوصاً لمن لم يزرها—تتأثر بما يراه الناس في الإعلام ووسائل التواصل وتصريحات السياسيين، ما يجعل بعض الكوادر الصحية تعتبر البلاد خياراً أقل أمناً وأقل ترحيباً مقارنة بدول أخرى.
شهادات من الميدان: إساءات واعتداءات في لندن
ضمن مؤشرات تصاعد العنصرية، نقلت تقارير عن سيلينا دوغلاس، الرئيسة التنفيذية لـمؤسسة ويتنغتون الصحية (Whittington health trust) في لندن، أن العاملين في المستشفى والخدمات المجتمعية يواجهون زيادة في حوادث العنصرية. وأشارت إلى حوادث شملت إساءات عنصرية داخل المستشفى، إضافة إلى حوادث اعتداء وإهانة في محيط التنقل اليومي للعاملين.
عقب هذه التحذيرات، قال متحدث باسم وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية إن الـNHS يستفيد “بشكل كبير” من العاملين الدوليين، مؤكداً أن الوزارة ستواصل دعم واستقطاب الكفاءات القادمة من الخارج. وشدد المتحدث على أن العنصرية تقوض قيم الخدمة الصحية، وأن لدى الـNHS سياسة “عدم تسامح مطلقاً” مع السلوك العنصري.
وفي المقابل، أوضح المتحدث أن بريطانيا أصبحت تعتمد على التوظيف الدولي بسبب عدم تدريب عدد كافٍ من الكوادر محلياً، مضيفاً أن من “الحق” أن يرى دافعو الضرائب عائداً على الاستثمار في تدريب الأطباء المحليين؛ لذلك تتضمن الخطة الصحية لعشر سنوات توجهاً لإعطاء الأولوية لخريجي الطب في بريطانيا، وكذلك لمن أمضوا فترات طويلة في العمل داخل الـNHS، عند توزيع فرص التدريب التخصصي.
تحذير مباشر للحكومة: ضرورة إعلان الترحيب وحماية العاملين

تدعو ديكسون رئيس الوزراء كير ستارمر ووزير الصحة ويس ستريتينغ إلى مخاطبة الرأي العام بوضوح للتأكيد أن العاملين الأجانب في الخطوط الأمامية مرحّب بهم ومطلوبون، ليس فقط لخدمة المرضى، بل أيضاً لتخفيف الضغط الهائل على زملائهم وضمان استمرار عمل الخدمة الصحية.
وكان ويس ستريتينغ قد وجّه تحذيراً للمرضى المسيئين مفاده أن الحصول على رعاية صحية مجانية لا يمنح أي شخص حق الاعتداء اللفظي أو العنصري على العاملين.
وترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن ما يطرحه هذا التقرير يضع بريطانيا أمام اختبار مزدوج: حماية قيم العدالة والمساواة داخل المؤسسات العامة، وضمان استدامة خدمات حيوية مثل الـNHS التي تعتمد فعلياً على مساهمة الكوادر الدولية. كما أن مكافحة العنصرية والتحريض ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل هي أيضاً مسألة مصلحة عامة وأمن مجتمعي؛ لأن أي تساهل مع خطاب الكراهية أو الاعتداء على العاملين يقوض ثقة الناس بالمؤسسات ويهدد جودة الخدمة الصحية.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
