الثّبات رغم المغريات: حين يكون الإنسان سيّد قراره لا عبد رغباته
تتسارع الخطى في هذا العالم، وتتنافس فيه الأصوات لجذب انتباه الإنسان، ونرى أنّ الثّبات فعلٌ استثنائيٌّ لا يُمارسه إلّا من أدرك قيمة نفسه ومعنى وجوده. أمّا عن المغريات فهي بعيدةٌ عن أن تكون أشياء مادية تُعرض في واجهات المتاجر أو على شاشات الهواتف؛ وقريبةٌ من كونها منظومة كاملة من الوعود السّريعة، والطّرق المختصرة، واللذّات المؤقتة الّتي تحاول إقناع الإنسان بأنّ السّعادة قريبةٌ وسهلة، وأن الطّريق الطّويل لا يستحقّ العناء. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقيّ: هل يبقى الإنسان ثابتاً على مبادئه وقيمه، أم ينجرف مع التّيار لأنّ الجميع يفعل ذلك؟
الثّبات وعيٌ عميقٌ بالاتّجاه وكينونته، والإنسان الثّابت لا يعني أنّه يرفض التّغيير، ربّما يعني أنّه يرفض الضّياع. فهناك فرق كبير بين التّطوّر الّذي ينبع من قناعة، وبين التّنازل الّذي يولد من ضغط اللّحظة. حين يختار الإنسان الثّبات، فهو لا يعاند العالم، ولكن يحمي نواته الدّاخليّة من التّشتّت، ويحافظ على بوصلته الأخلاقيّة التي تمنحه المعنى وسط الفوضى.
المغريات تتسلّل إلى النّفس بطرقٍ ذكية. فهي لا تأتي دائماً على شكل خطأ واضح، فقد ترتدي ثوب “الفرصة الذهبية”، أو “الاختصار الذكي”، أو حتى “الحق الشخصي في الراحة”. وهنا يكمن الخطر؛ لأنّ الإنسان قد لا يشعر أنه يتخلى عن شيءٍ مهم، ربّما يظنّ أنه يختار الأفضل. غير أن التاريخ الشخصي لكل إنسان يُبنى من قرارات صغيرة متكررة، وكل تنازل بسيط يترك أثراً خفيّاً في الداخل، حتى يجد المرء نفسه يوماً ما بعيداً عن الصورة التي كان يريد أن يكون عليها.
الفلسفة القديمة كانت ترى أن الإنسان يعيش صراعاً دائماً بين العقل والرغبة. أفلاطون شبّه النّفس بعربة يقودها عقل، تجرّها قوتان متعارضتان: واحدة تسعى إلى الفضيلة، وأخرى إلى اللذة. الثبات هنا هو قدرة العقل على الإمساك باللجام دون قمع الرغبات أو إنكارها، بل توجيهها نحو ما يخدم المعنى الأكبر للحياة. فالإنسان ليس آلة بلا شهوات، لكنه أيضاً ليس كائناً محكوماً بغرائزه فقط. إنّما هو مشروع توازن دائم.
ومن منظورٍ وجودي، الثبات هو فعل حرية. فحين يختار الإنسان أن يبقى صادقاً مع نفسه رغم الإغراء، فإنّه يمارس أعلى درجات الاستقلال الدّاخلي. المغريات تحاول أن تجعل الإنسان تابعاً: تابعاً للموضة، أو للقبول الاجتماعيّ، أو لمعيار النّجاح السّريع. أمّا الثّبات، فيعيد للإنسان سيادته على ذاته. إنّه يقول للعالم: “أنا أختار، لا أُساق”.
غير أنّ الطّريق ليس سهلاً. فالثّبات غالباً ما يكون وحيداً، خاصّة في البدايات. حين يقرّر الإنسان ألا يشارك في ما يخالف قناعاته، قد يشعر بالعزلة أو يُتهم بالتشدد أو الغرابة. المجتمع يميل بطبيعته إلى مكافأة الامتثال لا الاستقلال. لكنّ التّجربة تُظهر أنّ احترام الآخرين يأتي لاحقاً، حين يرون أنّ الثّبات ليس نزوة مؤقتة، وإنَما هو أسلوب حياة متماسك. فالشّخص الّذي لا يغيّر مبادئه حسب المصلحة يصبح مرجعاً للثقة، حتى عند من يختلفون معه.
الثّبات لا يعني أيضاً أنّ الإنسان لا يخطئ. فكل إنسان يضعف أحياناً، ويستجيب لبعض المغريات.
الفرق الحقيقيّ ليس في غياب السّقوط، ولكن في القدرة على النّهوض. والإنسان الثّابت لا يعرّف نفسه بأخطائه، ولكن بتكرار عودته إلى المسار الصّحيح. إنّه يرى في كلّ تعثرٍ درساً يعمّق فهمه لذاته، ويجعله أكثر وعياً بمكامن ضعفه وقوّته.
وهناك جانب نفسيّ مهمّ في مسألة الثّبات.
كثير من المغريات تنجح لأنها تخاطب احتياجات حقيقية داخل الإنسان: الحاجة إلى التقدير، إلى الانتماء، إلى الشعور بالقيمة. فإذا لم يجد الإنسان مصادر صحيّة لهذه الاحتياجات، يصبح عرضةً للبدائل السريعة. لذلك، فإنّ بناء حياةٍ متوازنةٍ، مليئة بعلاقات صادقة وأهداف ذات معنى، يُعتبر حصناً قويّاً ضدّ الانجراف. فالثّبات بنية حياة متكاملة تدعم القرار الصّحيح.
كما أنّ الثّبات يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى. المغريات عادةً ما تقدّم مكافآت فوريّة، بينما القيم تقدّم نتائج متأخّرة لكنّها أعمق وأطول أثراً.
الإنسان الّذي يرى مستقبله بوضوح يستطيع أن يضحّي ببعض اللّذات اللّحظيّة مقابل سلام داخلي دائم. إنّه يدرك أن ما يبنيه اليوم من انضباط وأخلاق سيعود عليه غداً بثقة بالنفس واحترام للذات لا يمكن شراؤه بأيّ ثمن.
في الأدب والتاريخ، نجد أنّ الشخصيات العظيمة لم تكن خالية من المغريات، ولكن واجهتها واختارت طريقها رغم الإغراء، والثّبات هو ما جعلها رموزاً، لأنّه أظهر أن الإنسان قادر على أن يكون أكبر من الظروف وأقوى من اللحظة. هذا لا يعني أنهم عاشوا بلا صراع؛ بل إنّ صراعهم الداخلي كان جزءاً من نضجهم. فالثبات ليس غياب الرغبة، ولكن الانتصار المتكرر عليها.
ومن الزاوية الروحية، الثبات يُعتبر شكلاً من أشكال الإيمان بالمعنى. حين يؤمن الإنسان بأن لحياته هدفاً أسمى من اللذة المؤقتة، يصبح أكثر قدرة على مقاومة الإغراء. إنّه يرى نفسه جزءاً من قصّة أكبر، وليس مجرّد كائن يسعى لإشباع رغباته الآنية. وهذا الإحساس بالمعنى يمنح الإنسان طاقةً داخليّةً تجعله يصبر حين يسهل الانجراف، ويتمسّك حين يكون التّنازل أسهل.
لكن من المهم أيضاً أن نميز بين الثّبات الصحي والتصلب الأعمى. فالثّبات الحقيقي يترافق مع مرونة عقليّة وقدرة على المراجعة. أمّا عن الإنسان الثّابت، فهو ليس من يرفض كلّ جديد، هو من يختبر الجديد بميزان قِيَمه. فإذا وجد ما يتوافق مع جوهره تبنّاه، وإذا تعارض معه تركه دون تردّد، وتراه لا يخاف من التّغيير، كما يخاف من فقدان نفسه.
وفي زمن السوشيال ميديا، حيث تُقاس القيمة بعدد الإعجابات والمتابعين، يصبح الثّبات أكثر صعوبة. المقارنة المستمرّة تولد شعوراً بالنقص، وتجعل الإنسان يتساءل: لماذا لا أكون مثلهم؟ هنا يأتي دور الوعي الذاتي؛ لأنّ الإنسان الذي يعرف من هو، ولماذا يعيش، لا يحتاج إلى أن يثبت نفسه عبر تقليد الآخرين. إنّه يدرك أن الأصالة أبطأ من التقليد، لكنّها أعمق أثراً وأكثر صدقاً.
الثّبات في النّهاية يا أصدقائي ممارسة يوميّة صغيرة. هو أن تقول “لا” حين يكون الرفض صعباً، وأن تقول “نعم” لما تؤمن به حتى لو كان الطريق أطول. هو أن تحافظ على وعودك لنفسك، وأن تتذكّر دائماً أنّ كلّ قرار تبنيه اليوم يشكّل ملامحك غداً. ومع مرور الوقت، يتحوّل الثّبات من مجهود واعٍ إلى طبيعة داخلية، فيصبح الإنسان أكثر هدوءاً وثقة، لأنه يعرف أنه لا يتخلى عن ذاته بسهولة.
إنّ أعظم مكافأة للثّبات هي السّلام الدّاخليّ. أن تنام وأنت راضٍ عن اختياراتك، وأن تنظر إلى المرآة فتجد شخصاً لم يبع نفسه مقابل لحظة عابرة. فالمغريات قد تمنح متعةً سريعة، لكنّها غالباً تترك فراغاً عميقاً. أمّا الثّبات، فرغم قسوته أحياناً، يمنح شعوراً بالاكتمال لا يمكن وصفه إلّا لمن عاشه.
وفي نهاية المطاف، يظلّ الإنسان أمام سؤال بسيط لكنّه عميق: هل يريد أن يكون صدىً لما حوله، أم صوتاً نابعاً من داخله؟ الثّبات هو الطّريق نحو الصّوت الدّاخليّ، نحو حياةٍ يختارها الإنسان بوعي لا باندفاع. إنّه وعدٌ للنّفس بأن تبقى وفيّة لما تؤمن به، مهما تغيّرت الظّروف، ومهما تعدّدت المغريات. وحين ينجح الإنسان في هذا الامتحان، لا يصبح فقط أقوى، يصبح أكثر حريّة… وأكثر إنسانيّة.
اقرأ أيضًا:
- لماذا لا تُحبّ العينُ الحاجب؟ تأمّل في المسافات الخفيّة بين الناس
- “الحاجب لا يعلو على العين” حكمة جدتي
- بين “صفير المدرّجات” و“عرق الميدان”: لماذا يجب أن تكتتب اسمك في تشكيلة الحياة؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
