الثقة العامة بالسياسة في الحضيض.. كيف يمكن لحزب العمال أن يعيدها إلى الواجهة؟
في توقيتٍ قاتم الدلالة، يصدر اليوم التقرير السنوي لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية (TI). الأخبار ليست مطمئنة؛ فالعالم يشهد ازديادًا في مستويات الفساد بالتوازي مع تراجعه الديمقراطي. أما في بريطانيا، فتتراجع البلاد على سلّم النزاهة، مسجّلة أدنى مستوى لها حتى الآن في ما يتعلق بالاستقامة العامة.
بعد أن كانت ضمن الدول العشر الأولى، محتلة المرتبة الثامنة في عام 2017، تراجعت بريطانيا اليوم إلى المركز 20. وتشير نتائج هذا العام إلى تدهور تقييم الفساد في الحكومة والمناصب العامة، وفقًا لتقديرات خبراء وحدة الاستخبارات التابعة لمجلة الإيكونوميست. وقد جُمعت بيانات المؤشر بين يناير 2024 وسبتمبر 2025، أي قبل تفجّر فضيحة بيتر ماندلسون الأخيرة، غير أنها تعكس إرث عقدٍ كامل من سوء الإدارة، والتجاوزات المرتبطة بحملات بريكست الانتخابية، وسجل بوريس جونسون المثير للجدل. ومن المرجح أن تُظهر تصنيفات العام المقبل مزيدًا من التراجع، ما لم تُتخذ خطوات سريعة وجذرية لإقامة ضوابط صارمة وسد الثغرات التي تسمح بتفشي الفساد بمختلف أشكاله.
خلال خطاباته المتكررة قبيل الانتخابات العامة، تعهّد كير ستارمر بـ”تنظيف السياسة”. غير أن ستارمر وعددًا من أعضاء حكومته تعثروا مبكرًا، بعدما قبلوا -مع الإفصاح عنها رسميًّا- هدايا شملت ملابس وتذاكر فعاليات. فقد أظهر تحليل أجرته منصة “تورتواز” أن حكومة الظل “قبلت أكثر من 220 ألف باوند من التذاكر والهدايا المجانية لأعضائها أو لموظفيها طوال البرلمان الماضي”، شملت فعاليات مثل “غلاستنبري، وحفلات البرومز، وسباق الجائزة الكبرى البريطاني، ومباريات الكريكيت، وويمبلدون”. ورغم محدودية هذه الوقائع مقارنة بفضائح كبرى، فإنها ألحقت ضررًا بصورة الحكومة الجديدة في وقت كانت فيه الثقة بالسياسة في أدنى مستوياتها.
ويبدو ذلك ضئيلًا إذا ما قورن بعقود كوفيد، حيث وجدت منظمة الشفافية الدولية أن “وجود مؤشرات تحذير متعددة في أكثر من 15 مليار باوند من العقود -أي ما يعادل ثلث إجمالي الإنفاق- يشير إلى ما هو أبعد من مجرد مصادفة أو سوء إدارة”. كما لا يمكن تجاهل فضيحة غرينسيل، حين مارس رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون ضغوطًا على وزراء لمصلحة بنك كان يعمل معه، قبل أن ينهار لاحقًا. ويُضاف إلى ذلك ما جناه جورج أوزبورن من مناصب مالية متعددة بعد مغادرته وزارة الخزانة، في ممارسات قانونية لكنها أثارت استياءً واسع النطاق.
بحلول عام 2024، كان المركز الوطني للبحوث الاجتماعية قد خلص إلى أن “الثقة بالحكومة وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق”، مع تراجع إيمان الناخبين بأن السياسيين سيقدّمون المصلحة العامة على مصالحهم الخاصة، أو أنهم سيلتزمون الصدق في المواقف الحرجة.
وخلال سنوات فضائح حزب المحافظين، اتخذ حزب العمال موقفًا أخلاقيًّا عالي النبرة، وهو أمر يصعب على أي معارضة مقاومته. ففي خطابه بمناسبة رأس السنة الجديدة لعام 2024، قال ستارمر: “لتغيير بريطانيا، يجب أن نغيّر أنفسنا. نحتاج إلى تنظيف السياسة. لا مزيد من المسارات السريعة لكبار الشخصيات، ولا مزيد من العمولات للأصدقاء، ولا مزيد من الأبواب الدوّارة بين الحكومة والشركات التي تنظمها”. غير أن الإفراط في خطاب الفضيلة في الغالب يرتد على أصحابه، كما حذّر الفيلسوف إيمانويل كانط بقوله: “من خشب الإنسانية الأعوج لا يُصنع شيء مستقيم”.
ورغم ذلك، لم يمضِ حزب العمال بعيدًا في الإصلاح. فقد جاءت الإجراءات محدودة، وتأخر مشروع قانون الانتخابات بسبب الخلافات. ويتضمن المشروع بعض التعهدات، مثل خفض سن التصويت إلى 16 عامًا، ومنح لجنة الانتخابات صلاحيات أوسع للتحقيق في مخالفات تمويل الحملات. كما طُرحت دعوات لحظر التبرعات بالعملات المشفّرة، وتشديد القيود على عمل الوزراء السابقين والوظائف الثانية للنواب.
إلا أن منظمة الشفافية الدولية تطالب بترسيخ هيئات الرقابة الأخلاقية ومدونة السلوك الوزارية في القانون، بدل تركها خاضعة لتقدير رؤساء الوزراء. وتُبرز قضية ماندلسون الحاجة إلى تدقيق أشد في التعيينات العليا، مع دعوات، من بينها تلك التي أطلقها غوردون براون، لإقرار جلسات استماع علنية. كما تطالب المنظمة بتشديد القيود على “الأبواب الدوّارة” لمنع الوزراء السابقين من الانتقال السريع إلى وظائف أو أدوار ضغط مرتبطة بمناصبهم السابقة.
ومن دون إصلاحات جوهرية، من غير المتوقع أن يغيّر مشروع القانون المرتقب نظرة الجمهور إلى نزاهة الحياة السياسية. فالمشهد يبدو أقرب إلى محاولة تنظيف وستمنستر بملعقة صغيرة بدل أدوات حقيقية، ما لم يُوضع حد لهيمنة التبرعات الضخمة من المليارديرات على السياسة. ويظل الإصلاح الأوضح بالنسبة للرأي العام هو تقليص دور المال الكبير في تمويل الأحزاب، إلى جانب إصلاح مجلس اللوردات، حيث ارتبط المال مرارًا بالحصول على الألقاب.
وبحسَب لجنة الانتخابات، بلغت نفقات الانتخابات الأخيرة 94.5 مليون باوند، أنفق حزب العمال منها 30 مليونًا، مقابل 24 مليونًا للمحافظين، و6 ملايين للديمقراطيين الأحرار، و5 ملايين لحزب الإصلاح.
وتكشف أرقام صادمة في تقرير منظمة الشفافية الدولية أن 48.2 مليون باوند جاءت من متبرعين يُزعم أو ثبت أنهم اشتروا نفوذًا أو ألقابًا. ورغم تشديد القيود المقترحة على التبرعات الأجنبية، فإن مشروع القانون الحالي لا يفرض سقفًا للتبرعات، ولا يمنع -مثلًا- تبرعًا محتملًا بقيمة 100 مليون دولار من إيلون ماسك لحزب الإصلاح إذا جاء من أرباحه داخل بريطانيا.
إن إخراج المال من السياسة خطوة شجاعة لكنها معقدة، إذ سيتطلب الأمر من حزب العمال إعادة النظر في تبرعات النقابات، واللجوء إلى تمويل عام جزئي للأحزاب. ومع أن هذا قد يثير اعتراضات، فإن تكلفته على الخزانة تبقى محدودة مقارنة بالفائدة المتمثلة في استعادة الثقة بالحياة السياسية. وفي ظل ما تكشفه أوراق إبستين وماندلسون، وما يحمله المشهد الأميركي من تحذيرات، تبقى القاعدة الأوضح: لا ينبغي ترك هذه الفضيحة تمر من دون إصلاح حقيقي.
المصدر : الجارديان
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
