العرب في بريطانيا | الإعلام البريطاني منشغل في علاء عبد الفتاح تارك...

1447 رجب 22 | 11 يناير 2026

الإعلام البريطاني منشغل في علاء عبد الفتاح تاركا غزة تعصف بها الرياح

الإعلام البريطاني منشغل في علاء عبد الفتاح تاركا غزة تعصف بها الرياح

مع مطلع العام الجديد، تحوّل اهتمام الإعلام البريطاني -على نحو متوقّع- إلى المسرح الداخلي: جدل واسع النطاق بشأن إصدار وزيرة الخارجية أمرًا عاجلًا بمراجعة ما وُصف بـ«إخفاقات معلوماتية» في قضية الناشط البريطاني المصري علاء عبد الفتاح.

تتمحور القضية حول الادعاء بأن مسؤولين كبارًا لم يكونوا على علم بمنشورات سابقة لعبد الفتاح على وسائل التواصل الاجتماعي تعود إلى عام 2010، قبل السماح له بالاستقرار في بريطانيا. عناوين مألوفة عادت إلى الواجهة: غضب بسبب تغريدات قديمة، وارتباك داخل النخب، وحراك وستمنستر المعتاد.

صناعة الإلهاء بدل مساءلة الواقع

علاء عبد الفتاح
أثارت تغريدات قديمة لعلاء عبد الفتاح الجدل بين النخب السياسية في بريطانيا

وعند النظر إلى هذه القضية بمعزل عن السياق العام، قد تبدو مجرد عرض بيروقراطي: موظفون فوجئوا، ووزراء في موقع دفاعي، وصحافة تبحث عن سبق. لكن عند توسيع زاوية الرؤية، بعيدًا عن العناوين السريعة ودورة الأخبار المتواصلة، تفوح من هذا المشهد رائحة ما وصفه نعوم تشومسكي يومًا بـ«صناعة القبول»؛ أي تحويل انتباه الجمهور نحو تفاصيل إجرائية هامشية، في حين يُترك عنف ومعاناة أكبر بكثير بلا تغطية أو مساءلة.

غزة خارج دائرة الاهتمام

غزة: الأمطار الغزيرة تفاقم معاناة النازحين وتغرق خيامهم
تفاقم الأزمة الإنسانية في غزة. (وكالة الأنباء الفلسطينية-وفا)

ففي الوقت الذي تنشغل فيه وسائل الإعلام البريطانية بمنشورات على وسائل التواصل ومحاضر داخلية، كانت إسرائيل تمضي قدمًا في حظر أو تعليق عمل 37 منظمة إنسانية دولية كبرى، من بينها «أطباء بلا حدود» و«أوكسفام» و«كير» و«وورلد فيجن» و«المجلس النرويجي للاجئين»، ومنعها من العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما لم تمتثل لمتطلبات جديدة شديدة التعقيد.

ويرى منتقدون أن هذه القواعد ستشلّ الوصول الإنساني إلى غزة، وهي منطقة دمرتها بالفعل سنوات من الحرب.

هذا ليس تعديلًا تقنيًّا. إنه قرار سياسي بتداعيات إنسانية كارثية. كثير من هذه المنظمات يوفّر خدمات أساسية: الرعاية الطبية، وتوزيع الغذاء، دعم المياه والصرف الصحي، في منطقة عانى فيها المدنيون أشهرًا من القصف والحصار وانهيار البنية التحتية.

وفي ظل أمطار الشتاء والبرد القارس، فإن قطع هذه الشرايين الحيوية لا يشكّل إزعاجًا إداريًّا، بل تهديدًا مباشرًا للحياة.

إدانة دولية وتجاهل إعلامي

المتطلبات الإسرائيلية الجديدة المفروضة على المنظمات غير الحكومية صارمة -ويشمل ذلك الإفصاح الواسع عن بيانات العاملين- حتى إن كثيرًا من وكالات الإغاثة حذّرت من أنها شبه مستحيلة التنفيذ دون تعريض موظفيها للخطر أو انتهاك قوانين حماية البيانات.

ورغم الإدانات الدولية الواسعة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ووزراء خارجية كُثر، والدعوات إلى ضمان وصول إنساني غير مقيّد، ظلّ هذا التطور على هامش التغطية الإعلامية في بريطانيا.

القصة الحقيقية حيث لا كاميرات

أوقف برامج النقاش في «بي بي سي» للحظة، وانظر إلى ما يحدث في غزة الآن. قطاع محطّم بفعل هجمات إسرائيلية متكررة وحصار طويل، يواجه قيودًا إضافية على المساعدات الإنسانية، فيما تزيد العواصف الشتوية من سوء الأوضاع، وتنهار أنظمة الصرف الصحي.

القصة الحقيقية اليوم تتشكّل في المستشفيات المدمّرة، وقوافل الإغاثة المقطوعة، والملاجئ الغارقة بالمياه، والخيام المتجمّدة، وفي عيون عائلات تعرف الحرب والجوع والفقد.

كلفة الإهمال البطيء

مياه الأمطار تغرق خيام النازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة
مياه الأمطار تغرق خيام النازحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. (وكالة الأنباء الفلسطينية-وفا)

الأطفال الذين نجوا من الحصار والقصف يواجهون الآن مخاطر الالتهابات التنفسية والأمراض وسوء التغذية، وهي أسباب قتل أبطأ من القنابل، لكنها لا تقل قسوة. عائلات تريد أن تُدفئ أنفسها وأطفالها في خيام بلا تدفئة، تعتمد على مساعدات تتقلص، وتشاهد المنظمات التي كانت تسندها تُدفع إلى الخروج.

أيهما القصة الأهم؟

في هذا السياق، هل علاء عبد الفتاح هو القصة الأهم فعلًا؟ أم أن قضيته جرى تضخيمها -بقصد أو من دونه- لصرف أنظار الناس عما هو أهم كالكارثة الإنسانية المتواصلة أمام أنظار العالم؟

هذا النمط مألوف. الإعلام الغربي طالما أظهر قصر نظر تحريريًّا: تُمنح الأولوية للقصص لا وفق حجم الضرر الإنساني، بل وفق القرب الجغرافي، والمسرح السياسي، وسهولة صياغة سردية تعزز العداء للمسلمين الفارين من الاضطهاد.

الجدل بشأن تاريخ تغريدات ناشط هو مادة سهلة الهضم، ومألوفة، وقابلة للتداول، حتى حين لا تكون لها صلة تُذكر بمعاناة بشرية مستمرة. في المقابل، فإن إقصاء عمال الإغاثة من واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في العالم بالكاد يُذكر في بضع فقرات عابرة.

قوات الاحتلال الإسرائيلي أمام مقر مدمر للأونروا في غزة

لا لبس في الأمر: تعليق عمل هذه المنظمات ليس نزاعًا إداريًّا مجردًا. إنه سياسة ستقلّص تدفّق الغذاء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية إلى أناس فقدوا كل شيء. ويأتي هذا الحظر بعد قيود أخرى، منها تلك المفروضة على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا، المزود الرئيس لخدمات اللاجئين الفلسطينيين، ما أضعف بنية حيوية أصلًا.

السياسة كضباب متعمد

Palace of Westminster inside the Houses of Parliament
في وستمنستر تنشغل النخبة السياسية بتغريدات قديمة وتغض الطرف عن غزة.

وفي وستمنستر، يستمر الجدل بشأن التسريبات والتغريدات ومن كان يعلم ماذا ومتى. كأن ضبابًا مسرحيًّا يُسدل عمدًا، لا على غزة فقط، بل على الأسباب البنيوية التي جعلت ما يحدث هناك ممكنًا: عقود من الاحتلال والحصار والهجمات المتكررة التي دمّرت البنية التحتية والحياة، في ظل نظام دولي بات يطبّع الحرمان بدل مواجهته.

المشكلة ليست في وجود قصة علاء عبد الفتاح بحد ذاتها، بل في تضخيمها على حساب التغطية والتدقيق والانخراط المستمر مع الكارثة الإنسانية الجارية في غزة.

هكذا يُوجَّه الانتباه الجماعي نحو ما هو مريح ومؤطّر داخليًّا، بعيدًا عمّا هو مزعج ومعقّد ويتعارض مع خيارات السياسة الغربية. لكن غزة ليست قصة بعيدة عن معاناة مجهولة؛ إنها شهادة على ما يحدث حين تُترك السلطة بلا مساءلة، وتُهمّش كلفتها البشرية.

تجاهل أزمة غزة هو شكل من أشكال التواطؤ مع هذه الفظائع المستمرة، التي تستحق أكثر بكثير من تغطية متقطعة محشورة بين ثرثرة وستمنستر السياسية.

إذا أراد الإعلام الغربي أن يُطلع بدل أن يُلهي، وأن يُحاسب بدل أن يُرضي، وأن يشهد بدل أن يعرض مشهدًا، فعليه أن يعيد تركيزه إلى الكارثة التي لا يمكن إنكارها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

القصة الحقيقية اليوم تُكتب في المستشفيات المدمّرة، وقوافل الإغاثة المقطوعة، والملاجئ الغارقة، والخيام المتجمدة، وفي عيون عائلات تعرف الحرب والجوع والفقد. هذه القصص أكثر أهمية بما لا يقاس من أي جدل بشأن تغريدات قديمة.

المصدر: ميل إيست آي


اقرأ أيضاً

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة