الإنسان السام والبيئة السامة: كيف تؤثر العلاقات على حياتك؟
من الآيات التي وقفت مليًّا في تفسيرها قول نبي الله سليمان لمّا تفقّد رعيته ولم يجد بينها الهدهد، فأطلق وعودًا اثنان منها واضحان جليّان، أما الثالث فحرِيٌّ باللبيب ألاّ تمرّ على مسامعه مرور الكرام.
{لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}. فوعيده للهدهد بالذبح أو أن يأتيه بحجة واضحة تُبيّن سبب عدم وجوده في تلك الساعة، مفهوم المعنى لا تُخطئه عين.
أما قوله: “لأعذبنه” فكيف يرتضي نبي أرسله الإله بالرحمة بتمرير السوط على جسد الطائر الرقيق؟!
يقول الإمام القرطبي: معناها أن يضعه مع من لا يعرف قدره. ويسترسل شيخنا العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي فيقول: أي يضعه مع غير جنسه؛ لأن حبس المخلوق مع غير جنسه تعذيب له؛ لأنه منافٍ لهواه.
آه لمغترب في الغرب ليس له من
جنسه، وإن كان محفوفًا بأجناسِ
قلت: أحيانًا يكون الكثير حولك لكنك وحيد.
العجيب في الآية أنه بدل قوله للطير: إنك ستُنقَل إلى مكان آخر وأصدقاء جدد، عبّر عن هذا كله “لأعذبنه”، أي أنهم ليسوا أصدقاء جددًا وحسب بل أشخاصًا سامِّين، والأعجب تأكيده على تأثيرهم بقوله: “عذابًا شديدًا” .
الإنسان السامّ هو شخص لا تستطيع أن تصبح أنت بعُجرك وبُجرك بمعيّته، بل يجب أن تكون في أفضل نسخة منك حتى لا تقع ضحية أهوائه البائسة.
شخص تشعر بثقل عقارب الساعة في مجلسه، شخص تسوؤه حسنتك وتسُرهُ عثرتك.
أمامه يجب أن تصبح ابن تيمية في علمك، وابن المبارك في صلاتك، وحاتم الطائي في جودك وكرمك، وأفلاطون في حكمتك.
هو شخص يتتبع خُطاك لا ليستر عورتك بل ليبرزها، لا ليحتفي بإنجازاتك بل ليقلل من قيمتها.
لا يُرضيه منك حتى الحق الأبلج كما قال طلحة النميري لمسيلمة الكذاب: أشهد أنك كاذب وأن محمدًا صادق، لكن كذاب ربيعة أحب إليّ من صادق مضر.
ومن أعجب ما أنت قارئ قول أحدهم لمّا حُرِّر من سجون الاحتلال في صدد كلامه عن المرتزقة السامِّين:
كان من بيننا أناس يُعفون اللحية ولا يشربون الكولا ويديرون ظهورهم للتلفاز ويقومون الليل ويخشعون في صلاتهم، فلمّا كُشف أمر عمالتهم لمخابرات الاحتلال، سُئل أحدهم: بِمَ كنت تدعو في مناجاتك؟ فأجاب: كنت أدعو الله ألاّ ينكشف أمري!
فإذا كان هذا الشخص بمفرده سامًّا، فكيف إذا اجتمع بنظرائه! لا شك أنه بذلك تتكون البيئة السامة التي لا يعلم تأثيرها إلّا رب العزة “عذابًا شديدًا”.
هذا ويمكن لقارئ السيرة النبوية أن يلحظ أثر البيئة حتى على أشرف الخلق، فقد مكث عليه الصلاة والسلام في مكة من يوم مولده إلى ما بعد مبعثه نحو ٥٣ سنة، ثم ارتحل بعدها إلى المدينة، وقضى فيها ١٠ سنوات إلى أن توفاه الله.
فإذا نظرت ثم نظرت وجدت أن السنوات العشر الأخيرة هي الأغزر مادةً بين المؤرخين، وما ذاك إلّا لأنه وجد البيئة المناسبة والأرض الخصبة التي تصلح لإرساء قواعد الإسلام. فمن حصاره في الشِّعب إلى مراسلاته مع الملوك من مكانه في المدينة، ومن رمي سلا الجزور على رأسه الشريف إلى توزيع كنوز كسرى وتقسيمها على صحابته رضوان الله عليهم.
ومن الأمور التي لا يُلتفت إليها أن الإنسان السامّ قد لا يكون بالضرورة من يتحسس سقطاتك، بل هو أقل من أن يدركها، فإذا كان الأول ينفث شروره عليك، فهذا يُلقي بتفاهته إليك.
هو شخص عادي لا يكترث بمرورك، ولن تصحبه معك في ذكرياتك، لا يضيره حزنك فيربت على كتفك، ولا يعي حجم العقبات التي تخطيتها فيثني عليك ويرفع معنوياتك، وهذه العلاقة يصفها الإمام شمس الدين التبريزي فيقول: إن المرء مع من لا يفهمه سجين.
قلت: لأنه لا يعلم حقيقة الإنجاز إلّا من سار على الطريق نفسه واكتوى بنار العراقيل، أما من لم تلفحه حرارة الخذلان، فأنّى له؟!
والعرب تقول: أعياك من لم يُشاكلك.
ولأحدهم تعقيبٌ أخّاذ: لأن أغلب الأذى نحن نجرّه على أنفسنا، نذهب إلى أماكن تنقص من قدرنا، نسمع من يوجعنا حديثهم، ونصاحب من لا يشبهنا، ونتعامل مع من لا يعرف قدرنا.
في فيلم “الجوع” من إخراج ستيف ماكوين المقتبس ورواية الكاتب النرويجي كنوت هامسون، اقتباس على لسان بطل الفيلم يُلخص فلسفة الرواية:
الإنسان جائع ليس للخبز فقط، بل للاعتراف، وللحب، ولرحمة الآخرين. وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الفرنسي سيمون ڤايل: الانتباه هو أنقى أشكال الكرم.
قلت: قد تنبّه السموأل لهذا المعنى الرقيق، لمّا خطب ود امرأة تمنّعت عنه بذريعة أن قومه قليلوا العدد، لا يُعتدّ بهم، فأنشد:
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا
فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنّا قليل وجارنا
عزيز وجار الأكثرين ذليل
فاللهم باسمك الأعظم لا أكون سامًّا ولا عاديًّا، وأعوذ بك من صحبة السام والعادي.
اقرأ أيضًا:
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
