الإنتفاضة الأولى والصورة
انطلقت الشرارة المباشرة للانتفاضة الفلسطينية الأولى في 8 كانون الأول/ديسمبر 1987 بعد حادث اصطدام متعمّد بين شاحنة إسرائيلية وسيارة تقلّ عمالًا فلسطينيين من مخيم جباليا في قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد أربعة منهم وإصابة آخرين. وقد اعتبر الفلسطينيون أن الحادث يأتي في سياق سلسلة طويلة من الاعتداءات اليومية، فجاءت الجنازة الحاشدة في اليوم التالي كاشتعال جماهيري غاضب، سرعان ما تحوّل إلى مواجهات واسعة امتدت عبر غزة والضفة الغربية. كان هذا الحادث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ فجّرت غضبًا مكبوتًا تراكم عبر سنوات من القمع والاحتلال والاستيطان وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فشكّل الشرارة التي أطلقت واحدة من أوسع الانتفاضات الشعبية في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وعلى الرغم من أن الانتفاضة اتسمت بطابع شعبي يعتمد على الحجارة والمقاطعة والإضرابات، فإن الصور الفوتوغرافية وتسجيلات الفيديو لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل الوعي العالمي والمحلي بشأن ما يجري، حتى تحوّلت إلى أدوات نضالية بحد ذاتها. فقد أسهمت هذه الوسائط في نقل الحقيقة، وفضح ممارسات الاحتلال، وتغيير الخطاب الإعلامي الدولي، فضلًا عن تعزيز روح الصمود داخل المجتمع الفلسطيني.
نقل الحقيقة من قلب المواجهة إلى العالم
قبل اندلاع الانتفاضة الأولى كان المشهد الإعلامي العالمي يفتقر إلى التغطية المباشرة لواقع الفلسطينيين تحت الاحتلال حيث سيطرت تماما السردية الإسرائيلية على وسائل الإعلام العالمية خصوصا تلك التي تُروج صورة اسرائيل كواحة للديمقراطية في الشرق الأوسط. ومع بدايات الانتفاضة بدأ دخول الصحفيين الدوليين إلى المخيمات والمدن الفلسطينية، ليوثّقوا مشاهد يومية للمواجهات والاعتقالات وقمع المظاهرات. هذه الصور التي نُشرت في الصحف العالمية، وتلك اللقطات التي بثّتها القنوات التلفزيونية، أدت إلى قلب الصورة النمطية التي روّجتها الرواية الإسرائيلية لعقود.
فمشاهد الجنود المدججين بالسلاح يواجهون أطفالًا عُزّلًا لا يملكون سوى الحجارة، كانت كافية لإبراز الاختلال الأخلاقي الفاضح، وكشف التفاوت الهائل في القوة بين الطرفين. لم تكن الكلمات وحدها قادرة على إحداث هذا التحوّل، بل الصورة التي لا تحتاج إلى ترجمة. لقد أصبحت الكاميرا نافذة يرى العالم عبرها حقيقة ما يجري بعيدًا عن البيانات السياسية التي تُروّجها الرواية الرسمية الإسرائيلية.
الضغط الدولي وإعادة صياغة الخطاب الإعلامي
شكّلت الصور والفيديوهات نقطة انقلاب في الرأي العام العالمي. فقد اجتاحت وسائلَ الإعلام الدولية تقاريرُ تُظهر القمع والإغلاق والاعتداء على الأطفال والنساء والشيوخ، وهدم البيوت بمبررات واهية. هذا التدفق البصري أحدث ضغطًا مباشرًا على الحكومات الغربية التي بدأت تواجه انتقادات من شعوبها ومنظمات حقوق الإنسان.
وبسبب هذا التأثير البصري البالغ، اضطرت وسائل الإعلام الغربية المنحازة أصلًا في كثير منها، إلى إعادة صياغة خطابها، ومحاولة تقديم تغطيات أكثر توازنًا. أصبحت كلمة “انتفاضة” عنوانًا يوميًا في الصحف العالمية، والتلفزيون يعرض صورًا حيّة تتنافى مع السردية الرسمية الإسرائيلية التي كانت تقوم على تصوير الفلسطيني كإرهابي.
الصورة كوسيلة للمقاومة الشعبية
لم تكن الكاميرا مجرد أداة إعلامية، بل تحوّلت إلى وسيلة مقاومة. كان الفلسطينيون أنفسهم يلتقطون الصور ويصوّرن بالفيديو كل ما يستطيعون رؤيته عما يحدث في الشوارع، بينما بقيت الاف القصص الأخرى طي النسيان لسبب بسيط: لم يوجد من يوثقها أو يرويها! ورغم الرقابة الاسرائيلية الصارمة على ما يُنشر داخليًا وما يُرسل اللا الصحافة الدولة، لم يعدم صحفيون مستقلون الوسيلة لإرسال موادهم إلى مؤسساتهم الصحفية أو توزيعها على شبكات التضامن الدولية، ما فتح نافذة طالما حرصت اسرائيل على بقائها مقفلة.
هذا الفعل البصري غير المسلح كان بمنزلة سلاح أخلاقي يحاصر الاحتلال عالميًا. فالجنود -الذين كانوا يشعرون بالحصانة- أصبحوا يدركون أن أفعالهم قد تُعرض على شاشات العالم. وقد وثّقت صور كثيرة اعتداءات مباشرة، مثل كسر الأيدي، والاعتقالات العشوائية، وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، والحواجز بين المدن.
كذلك أسهمت الصور والفيديوهات في بناء أرشيف بصري للانتفاضة، وهو أرشيف أصبح لاحقًا مرجعًا للباحثين والمؤرخين والسينمائيين. هذه الذاكرة الموثّقة حررت الفلسطينيين من الاعتماد على الروايات الشفوية وحدها، وقدمت دليلًا ملموسًا على ممارسات الاحتلال وعلى المقاومة الشعبية.
تغيير معادلة الردع والمواجهة على الأرض
ومع انتشار الصحفيين والكاميرات في الشوارع، بدأ الاحتلال يتعرض لرقابة غير مباشرة. بعض الجنود كانوا يترددون في استخدام القوة المفرطة أمام عدسات الصحفيين، خشية من الانتقادات الدولية أو التحقيقات الإعلامية. وفي حالات كثيرة تعمّدت القوات الإسرائيلية تحطيم كاميرات المصورين أو منعهم من التغطية، وهو دليل إضافي على إدراكها لخطورة الصورة وتأثيرها.
ورغم أن استشهاد الطفل محمد الدرّة وقع بعد الانتفاضة الأولى، فإن أثرها يُعدّ امتدادًا طبيعيًا لتطور دور الصورة والفيديو في الصراع. فقد شكّل الفيديو الذي بثّته قناة فرانس 2 عام 2000 لحظة مفصلية في تاريخ الإعلام الفلسطيني والعالمي، إذ وثّق استشهاد طفل أعزل يحتمي خلف والده، وسط إطلاق نار كثيف مباشر من جنود الاحتلال.
هذا المقطع القصير تحوّل إلى أيقونة عالمية للظلم الواقع على الفلسطينيين، وأعاد التأكيد على القوة الهائلة للصورة في قلب الرأي العام، تمامًا كما فعلت مشاهد الانتفاضة الأولى. فقد هزّ الفيديو الضمير الإنساني، وانتشر بسرعة غير مسبوقة، وأجبر العديد من وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية على إعادة النظر في خطابها تجاه ما يحدث في الأراضي الفلسطينية. وبذلك أصبح فيديو محمد الدرّة نموذجًا صارخًا لقدرة الوسائط البصرية على كشف الحقيقة وتفكيك الروايات الرسمية، وامتدادًا حيًا للدور الذي لعبته الكاميرا منذ اندلاع الانتفاضة الأولى.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
