العرب في بريطانيا | حين يُكمَّم الصحفيين: العالم يُغلق عينيه مجددًا...

1447 شعبان 7 | 26 يناير 2026

حين يُكمَّم الشهود: العالم يُغلق عينيه مجددًا والحقيقة تقاوم

حين يُكمَّم الشهود: العالم يُغلق عينيه مجددًا والحقيقة تقاوم

من النادر أن يعلن التاريخ اللحظة التي ينهار فيها الأعراف العالمية. يحدث ذلك تدريجيًّا، بصمت في البداية، ثم دفعة واحدة. قتل الصحفيين في غزة يمثل لحظة من هذا النوع، لا بوصفه مأساة مهنية فحسب، بل باعتباره تصدعًا في البنية الأخلاقية التي قامت عليها منظومة النظام الدولي لعقود.

بحلول أواخر عام 2025، كان نحو مئتين وخمسين صحفيًّا قد قُتلوا في غزة منذ اندلاع العدوان في تشرين الأول/أكتوبر 2023. هذا الرقم وحده يتجاوز عدد الصحفيين الذين قُتلوا في أي نزاع واحد منذ بدء التوثيق الحديث. وهو يفوق حصيلة فيتنام والعراق وسوريا وأوكرانيا مجتمعة. وتؤكد لجنة حماية الصحفيين أن إسرائيل قتلت خلال هذه الفترة عددًا من الصحفيين يفوق ما قتلته أي دولة منذ أن بدأت اللجنة تتبع وفَيات الصحافة عام 1992. كما وصفت الأمم المتحدة غزة بأنها أكثر النزاعات دموية على الإطلاق للعاملين في الإعلام. أرقام بهذا الحجم لا يمكن التعامل معها بوصفها شذوذًا إحصائيًّا؛ إنها مؤشر على فشل بنيوي.

مقتل عبد الرؤوف شعت وتجسيد الأزمة

جسّد مقتل عبد الرؤوف شعت في كانون الثاني/يناير 2026 هذه الأزمة بوضوح. شعت، وهو مصور حر يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، يعمل مع وسائل إعلام دولية، ومتزوج حديثًا، وكان يحمل شارات واضحة تدل على أنه صحفي، قُتل بغارة لطائرة مسيرة إسرائيلية أثناء تصويره لقافلة مساعدات. أكدت السلطات المصرية أن المركبة كانت تحمل إشارات إنسانية، فيما وصفت نقابات الصحافة الفلسطينية الحادث بأنه جزء من نمط متعمّد. في المقابل، شكك الجيش الإسرائيلي في الرواية، مشيرًا إلى وجود طائرة مسيرة تابعة لحماس. هذا الخلاف بحد ذاته كاشف. ففي الحروب السابقة، كانت مثل هذه الملابسات استثناء. أما في غزة، فقد أصبحت قاعدة.

قانون إنساني بلا إنفاذ

حين يُكمَّم الشهود: العالم يُغلق عينيه مجددًا والحقيقة تقاوم
محصلة استهداف الصحافيين في غزة أكبر من أي نزاع مسلح في العالم.

القانون الدولي الإنساني واضح لا لبس فيه. بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، يُعد الصحفيون مدنيين. ويعيد قرار مجلس الأمن رقم 2222 التأكيد على هذه الحماية. كما نبّهت اليونسكو مرارًا على أن استهداف الصحفيين يشكل انتهاكًا للقانون الدولي. لكن القانون من دون إنفاذ لا يعدو كونه طقسًا شكليًّا، لا قيدًا فعليًّا. في غزة، يبدو أن القواعد القانونية معلقة باسم الضرورة العسكرية وبفعل تساهل جيوسياسي.

ما بعد فلسطين: أزمة ثقة عالمية

لانهيار هذه القواعد تداعيات تتجاوز فلسطين بكثير. فالصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي بنية تحتية للمساءلة. وعندما يُقتل الصحفيون بلا محاسبة، فإن الضحية لا تكون الحقيقة وحدها، بل الثقة: الثقة في القانون الدولي، وفي الخطاب الغربي بخصوص حقوق الإنسان، وفي عالمية حماية المدنيين.

دول الجنوب العالمي تراقب ذلك. وكذلك تفعل أنظمة استبدادية أخرى، تتابع عن كثب لترى أي القواعد تُطبق، وعلى من.

سابقة خطيرة تتشكل

حذرت مؤسستا تشاتام هاوس ومجلس العلاقات الخارجية من أن تآكل سلامة الصحفيين يتسارع عالميًّا. وتشير تقارير اليونسكو إلى زيادة بنسبة سبعة وستين في المئة في عدد الصحفيين الذين قُتلوا في مناطق النزاعات والأزمات بين فترتي 2018–2021 و2022–2025. وفي عام 2024 وحده، قُتل ثلاثة وتسعون صحفيًّا، ثلثاهم في مناطق حرب، وكانت غزة مسؤولة عن الحصة الكبرى. هذا التركيز مهم؛ لأنه يرسخ سابقة.

ازدواجية المعايير في التعامل مع القتل

تزيد المقارنات الصورة وضوحًا. ففي أوكرانيا، قوبلت عمليات قتل الصحفيين بإدانات دولية فورية وخطاب عقابي. وفي المكسيك، دفعت اغتيالات الصحفيين على يد شبكات إجرامية إلى ضغوط دبلوماسية وربط المساعدات بشروط. وفي سوريا، أصبحت إعدامات الصحفيين على يد تنظيم داعش رمزًا للهمجية. غزة مختلفة. هنا، تقع عمليات القتل تحت نظر حلفاء يرفعون شعار «النظام الدولي القائم على القواعد»، لكنهم يعجزون عن تحديد عواقب واضحة حين تُنتهك هذه القواعد.

فجوة المصداقية وتآكل الشرعية

النتيجة هي اتساع فجوة المصداقية. جنوب إفريقيا استعادت لغة حقبة الفصل العنصري في وصفها لما يجري في غزة. وقادة في الجنوب العالمي باتوا ينظرون إلى الصمت الغربي بوصفه أخلاقًا انتقائية. هذا الإدراك يضعف القوة المعيارية التي تعتمد عليها الديمقراطيات الليبرالية أكثر بكثير من اعتمادها على القوة العسكرية. وكما يجادل منظّرو العلاقات الدولية منذ زمن، فإن الشرعية أصل استراتيجي، وإذا فُقد هذا الأصل، يصعب استعادته.

الصحافة كساحة حرب

حين يُكمَّم الشهود: العالم يُغلق عينيه مجددًا والحقيقة تقاوم
استهداف الصحافة يتم بشكل منهجي لإخفاء الحقائق.

استهداف الصحفيين يعكس أيضًا تحولًا في طبيعة الحرب نفسها. فالمعلومة باتت ساحة قتال. السيطرة على السرد لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. إسكات الصحفيين يحد من الرقابة الخارجية، ويجزئ الذاكرة الجمعية، ويعيد تشكيل الإدراك العالمي. بهذا المعنى، لا تُعد الهجمات على الصحفيين أضرارًا جانبية، بل أفعالًا استراتيجية، تقع عند تقاطع القوة الصلبة والقوة الناعمة.

لكن التاريخ يشير إلى أن هذه الاستراتيجيات في الغالب تأتي بنتائج عكسية. قمع الصحافة المستقلة لا ينتج استقرارًا، بل يغذي التضليل وانعدام الأمن على المدى الطويل. وتشير دراسات لمجلس العلاقات الخارجية إلى أن المجتمعات التي تتمتع بثقة أعلى في الإعلام تكون أكثر قدرة على مقاومة التضليل. قتل الصحفيين يقوض هذه القدرة، ويُعمي الجمهور في الخارج، وكذلك صناع القرار في الداخل.

اختبار للنظام الدولي بأسره

لا توجد دولة بمنأى عن هذا الامتحان. ما يحدث في غزة ليس شذوذًا إقليميًّا، بل اختبار ضغط للنظام الدولي برمته، يمتد من واشنطن إلى بريتوريا، ومن بروكسل إلى برازيليا، ومن طوكيو إلى جاكرتا. كل حكومة تدعي الالتزام بالقانون الدولي، والضبط الإنساني، وحرية التعبير، معنية بذلك، لا بالفعل وحده، بل بالتسامح أيضًا.

صحفيون من مختلف أنحاء العالم عملوا في غزة، وتعتمد المؤسسات الإعلامية العالمية بشكل متزايد على صحفيين فلسطينيين محليين، يمدّون العالم بفهمه للحرب، لكن تتلاشى أسماؤهم في إحصاءات القتلى.

حين يصبح الصمت سياسة

File:Israeli airstrikes on the Gaza Strip, on civilian homes ...
شهدت الحرب على غزة سياسات قتل منهجي للصحفيين.

عندما يُقتل هؤلاء الصحفيون من دون عواقب، لا تُسكت أصوات فلسطينية فحسب، بل يُقوض ضمان عالمي مشترك مفاده أن المدنيين الذين يشهدون سيُحمون. بالنسبة لقادة الشمال العالمي، التكلفة هي تآكل عميق للسلطة الأخلاقية، وإضعاف النظام القائم على القواعد الذي يُستدعى لإدانة انتهاكات في أماكن أخرى. أما في الجنوب العالمي، فالرسالة أكثر تآكلًا: القانون الدولي مشروط، ويُطبق انتقائيًّا، ويُعلق عندما يصبح مزعجًا لأصحاب القوة. في هذا التلاقي بين خيبتين، يكمن خطر أكبر.

إذا تحولت حماية الصحافة إلى رمز بلا إنفاذ، فلن يتمكن أي مراسل، سواء من لاغوس أو لندن أو دلهي أو ساو باولو، من الاتكال على مظلة القانون، ولن يثق أي جمهور بأن ما يراه من مناطق النزاع كامل أو غير مُشوَّه أو خالٍ من الخوف. سلامة الصحفيين في كل مكان، ومصداقية القيادة العالمية نفسها، باتتا مرهونتَين بما إذا كان هذا المنعطف سيُواجه بالمبدأ أم سيُمرر بالصمت.

ما الحد الأدنى من المصداقية؟

السؤال، إذن، لم يعد يتعلق بتعرض الصحافة لهجوم من عدمه. هذا محسوم. السؤال هو: هل الدول التي تجني أكبر الفوائد من الصحافة الحرة مستعدة للدفاع عنها حين يصبح ذلك محرجًا دبلوماسيًّا؟ ربط المساعدات العسكرية بشروط، ودعم تحقيقات مستقلة، وفتح المجال للإعلام الدولي، ومنح تأشيرات طارئة للصحفيين المهددين؛ هذه ليست مطالب راديكالية، بل الحد الأدنى من المصداقية.

تحذير عالمي لا يخص غزة وحدها

تفرض الوفَيات في غزة أيضا مراجعة مؤسسية. خطة عمل اليونسكو بشأن سلامة الصحفيين تحتاج إلى تحديث لعصر الطائرات المسيّرة وحروب المعلومات. وآليات المحاسبة يجب أن تتحرك أسرع من دورات الأخبار. فالإفلات من العقاب يزدهر في التأجيل.

لطالما حملت الصحافة مخاطر. لكن الخطر ليس قدرًا. حجم الخسارة في غزة يعكس خيارًا، اتُّخذ مرارًا، وتسامح معه بهدوء، واُسِّس على نحو خطر. إذا قبل العالم أن يُقتل مئات الصحفيين في نزاع واحد بلا عواقب، فلن يبقى لأي سترة صحفية، أو قانون دولي، أو قيمة ديمقراطية أي معنى.

إسكات صحفيي غزة ليس مأساة فلسطينية فحسب. إنه إنذار عالمي. حين تُغلق أعين العالم بالقوة، يمتد الظلام إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة المعركة. مستقبل الصحافة، وسلامة النظام الدولي الذي يعتمد عليها، باتا الآن رهنًا بما إذا كان هذا التحذير سيُسمع أخيرًا.

المصدر: ميدل إيست مونيتور


اقرأ أيضاً

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة