عناصر شرطة تنتشر في لندن لإسكات لوحات داعمة لفلسطين والسجناء السياسيين
في واقعة أثارت جدلًا واسعًا حول حدود حرية التعبير وطبيعة الحياد الشرطي في بريطانيا، تدخلت عناصر من شرطة العاصمة لندن لإزالة لوحة إعلانية بارزة في أحد شوارع المدينة، حملت رسالة تضامن مع السجناء السياسيين في كل من بريطانيا وإسرائيل، ما فتح باب اتهامات مباشرة بـ«الرقابة السياسية» وازدواجية المعايير في التعامل مع التعبير المرتبط بالقضية الفلسطينية.
اللوحة، التي نُصبت لفترة وجيزة قبل إزالتها، جاءت بخلفية بصرية حادة تضم أسلاكًا شائكة وأبراج حراسة، وحملت عبارة:
«من سجن برونزفيلد إلى سدي تيمان – تضامن مع جميع الأسرى من أجل فلسطين».

وهي صيغة عقدت مقارنة مباشرة بين أوضاع السجون البريطانية، وعلى رأسها سجن برونزفيلد (HMP Bronzefield)، وأوضاع مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، خصوصًا مركز سدي تيمان، سيء السمعة والذي يتعرض لانتقادات حقوقية حادة بسبب اتهامات التعذيب وسوء المعاملة بحق المعتقلين الفلسطينيين.
إزالة سريعة وتساؤلات بلا إجابة
بحسب ما نشرته منصة «ذا كناري»، وصلت سيارات شرطة وعمال إزالة بعد وقت قصير من تثبيت اللوحة، ليتم كشطها بالكامل خلال فترة وجيزة. ووصفت المنصة المشهد بأنه انعكاس لـ«مناخ بوليسي» بات يعتبر أي تعبير يربط بين القمع داخل بريطانيا وما تمارسه إسرائيل تجاه الفلسطينيين فعلًا غير مقبول في الفضاء العام.
ورغم تداول فرضيات عن ضغوط من جماعات مؤيدة لإسرائيل دفعت إلى هذا التدخل السريع، لم يصدر أي تأكيد رسمي بهذا الشأن، كما امتنعت شرطة العاصمة عن تقديم تفسير علني فوري لسبب إزالة اللوحة أو الأساس القانوني الذي استندت إليه.
خلفية محلية: الإضراب عن الطعام وملف «بال أكشن»

الإشارة إلى سجن برونزفيلد لم تكن معزولة عن سياق محلي متوتر، إذ ارتبطت بحملة الإضراب عن الطعام التي خاضها نشطاء مؤيدون لفلسطين، بعضهم على صلة بحركة «بال أكشن» المحظورة. ففي أواخر كانون الثاني/يناير 2026، أنهى عمير خالد، البالغ 22 عامًا، إضرابًا عن الطعام دام 17 يومًا أعقبه إضراب عن العطش استمر ثلاثة أيام داخل سجن وورموود سكربس (Wormwood Scrubs)، بعد تدهور خطير في حالته الصحية استدعى نقله إلى العناية المركزة.
خالد وسبعة محتجزين آخرين — جميعهم رهن الحبس الاحتياطي دون محاكمة — احتجوا على ما وصفوه بتضييق ممنهج شمل الرقابة على المراسلات، وتقييد الزيارات، ومنع ممارسات دينية، وضعف الرعاية الطبية. واعتبروا هذه الإجراءات جزءًا من مسار أوسع لتجريم التضامن مع فلسطين داخل بريطانيا.
الإضراب، الذي بدأ في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2025 تزامنًا مع ذكرى وعد بلفور، انتهى بعد تقديم تنازلات جزئية، من بينها إعادة بعض حقوق الزيارة والمراسلات، في خطوة عدّها داعمو المحتجزين «انتصارًا محدودًا» سلّط الضوء على ما يرونه تواطؤًا بريطانيًا مع السياسات الإسرائيلية في غزة.
سدي تيمان: اسم حاضر في تقارير التعذيب

إزالة اللوحة أعادت كذلك تسليط الضوء على مركز سدي تيمان، الذي تصفه منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية — من بينها «بتسيلم» و«أطباء من أجل حقوق الإنسان» — بأنه جزء من منظومة احتجاز شهدت انتهاكات جسيمة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتحدثت تقارير متعددة عن ضرب مبرح، وعنف جنسي، وحرمان من النظافة، وفي بعض الحالات وفيات داخل الاحتجاز. ورغم نفي السلطات الإسرائيلية وجود سياسة تعذيب ممنهجة، فإنها أقرت بوقوع «تجاوزات فردية» أُحيل بعض مرتكبيها للتحقيق.
ازدواجية في التعامل مع التضامن مع فلسطين؟
إزالة اللوحة أعادت إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول طريقة تعامل الشرطة البريطانية مع الأنشطة المؤيدة لفلسطين. فقد سبقتها اعتقالات جماعية لمتضامنين خلال احتجاجات قرب السجون، في مقابل ما يقول نشطاء إنه تساهل أكبر مع شكاوى مقدمة من جهات مؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك تعهدات بمراقبة فعاليات مناهضة للصهيونية.
وتبرر السلطات الأمنية هذه الإجراءات عادةً بدواعٍ تتعلق بـ«النظام العام»، فيما ترى منظمات حقوقية أن هذا المفهوم بات يُستخدم لتقييد احتجاجات مشروعة، خصوصًا عندما تتصل بالقضية الفلسطينية.
ما وراء إزالة لوحة: اختبار الحياد السياسي
تشير منصة العرب في بريطانيا (AUK) إلى أن إزالة اللوحة لا يمكن التعامل معها كإجراء إداري عابر، بل كجزء من مسار أوسع تُعاد فيه صياغة حدود التعبير المقبول في الفضاء العام، خصوصًا حين يتصل بالقضية الفلسطينية. فالتدخل السريع، وغياب أي تبرير قانوني علني، يثيران تساؤلات حول استقلال القرار الأمني عن الحسابات السياسية.
وترى المنصة أن جوهر الإشكال لا يكمن في مضمون اللوحة بقدر ما يكمن في كسرها لمحظور غير مكتوب: الربط العلني بين السياسات البريطانية الداخلية ودعمها لإسرائيل. وفي هذا السياق، يتحول مفهوم «النظام العام» إلى أداة ضبط ومنع أراء مخالفة للتوجه الرسمي، لا أداة تنظيم.
وتحذّر المنصة من أن استمرار هذا النهج يهدد مبدأ الحياد المؤسسي، ويضيق هامش النقد السياسي، بما يجعل القضية الفلسطينية ساحة اختبار حقيقية لحدود حرية التعبير في بريطانيا اليوم.
اقرأ ايضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
