التايمز: كيف أودت بيروقراطية التعليم بحياة 20 طالبًا من ذوي الإعاقة في بريطانيا؟
لم يكن ستيفان بحاجة إلى معجزة، بل إلى استجابة في الوقت المناسب. غير أن أسرته وجدت نفسها في دوامة من الانتظار والرفض والإجراءات البيروقراطية، داخل نظام يُفترض أنه وُضع لحماية الأطفال الأكثر هشاشة — قبل أن تتوقف حياته عند الخامسة عشرة.
“كان كلّ شيء انتظارًا وراء انتظار”، بهذه الكلمات يلخّص تريستان كلويبنشادل معاناة أسرته مع النظام التعليمي في بريطانيا. ابنه ستيفان، الذي كان يعاني من اضطراب طيف التوحّد، أنهى حياته عن عمر 15 عامًا، بعد سنوات من التعثّر في مسار دعم يُفترض أنه صُمّم لحمايته.
معركة خطة التعليم والصحة والرعاية
.jpeg)
شُخّص ستيفان بالتوحّد قبيل عيد ميلاده السادس بقليل. ومنذ تلك اللحظة، دخل والداه في معركة طويلة للحصول على ما يُعرف بخطة التعليم والصحة والرعاية (Education, Health and Care Plan – EHCP)، وهي وثيقة قانونية تضمن للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة دعمًا تعليميًا مخصصًا.
لكن المجلس المحلي رفض حتى تقييم حالته، ما أجبر الأسرة إلى اللجوء إلى القضاء — كما يفعل عشرات الآلاف من الأهالي سنويًا.
وقبل أسبوعين فقط من موعد جلسة المحكمة، تراجع المجلس. إلا أن إقرار الخطة وتأمين مقعد لستيفان في مدرسة حكومية متخصصة استغرقا نحو عامين كاملين.
تنمّر وتدهور نفسي

لم تتوقف المعاناة عند هذا الحد. فحين رآه زميل من عمله الجزئي يخرج من بوابة المدرسة، واكتشف أنه مصاب بالتوحّد، بدأت موجة تنمّر قاسية، تدهورت على إثرها حالته النفسية بشكل حاد.
في أحد أيام الثلاثاء من آذار/مارس 2022، طلب والداه من طبيب الأسرة تمويلاً لجلسات علاج نفسي متخصصة بالتوحّد. رُفض الطلب بعد يومين فقط. وبحلول يوم الأحد، كان الأوان قد فات.
يقول والده: “تركت ستيفان لمدة 20 دقيقة فقط لأذهب لإحضار ابنتي من العمل… وعندما عدت، وجدناه في غرفته”. أنهى ستيفان حياته، قبل أن يتوفى بعد ستة أيام في المستشفى.
ظاهرة أوسع من حالة فردية

قصة ستيفان ليست استثناءً. فقد رصدت صحيفة التايمز 20 حالة خلال خمس سنوات لأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة فشل النظام في حمايتهم — وفق تقارير رسمية صادرة عن قضاة تحقيق، ومجالس محلية، وأطباء — وانتهى بهم الأمر إلى الانتحار.
وقالت متحدثة باسم وزارة التعليم: “هؤلاء أطفال كان لهم مستقبل لا ينبغي أن يُختصر بهذه الطريقة. كثيرًا ما تُركوا من دون الدعم الذي يحتاجونه، بينما كان ذووهم يخوضون معركة مع نظام لم يُبنَ أصلًا لتلبية احتياجاتهم”.
ومن المقرر أن تعلن وزيرة التعليم بريدجيت فيليبسون عن إصلاحات قالت الوزارة إنها ستُعيد هيكلة هذا “النظام المكسور ذي المقاس الواحد للجميع”، عبر تعزيز الخدمات المحلية، وتدريب المعلمين، وتسهيل الوصول المبكر إلى الدعم الصحي والتعليمي.
غير أن هذه المقترحات أثارت مخاوف، لا سيما ما يُتداول عن احتمال تقليص عدد الأطفال المؤهلين للحصول على خطط EHCP. واتهم النائب الليبرالي الديمقراطي كريس كوغلان الحكومة بمحاولة “تقليص حقوق الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة”، مشيرًا إلى اطلاعه على مئات الشهادات المجهولة لأهالٍ تحدثوا عن محاولات انتحار متكررة لأبنائهم وسط “إهمال من السلطات”، واصفًا الأمر بأنه “وصمة على ضمير هذا البلد”.
من جهته، أقرّ مجلس مقاطعة كِنت — المسؤول عن خطة ستيفان — بوجود “أوجه قصور خطيرة” في السابق، مؤكدًا أن الخدمة أصبحت اليوم “أقوى بكثير”.
“كل شيء بطيء… وبيروقراطي”
بالنسبة لتريستان، لا يزال النظام يبدو مكسورًا في جوهره. هو وزوجته أسسا مبادرة صغيرة باسم “أعمال ستيفان الطيبة”، تنظم ورش عمل حول التنوع العصبي للأهالي والمهنيين والشركات.
يقول: “أرى التحديات نفسها كل يوم. قبل أيام، كان لدينا طفل في السادسة والنصف يقول إنه لا يريد أن يعيش في هذا العالم. الأمر مفجع. كل شيء بطيء، بيروقراطي بشكل خانق. لا بد أن يتغير شيء”.
في ظل الجدل الدائر حول الإصلاحات المرتقبة، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على معالجة جذور الخلل لا الاكتفاء بإعادة هيكلة شكلية. بالنسبة لعائلات مثل أسرة ستيفان، لم يعد الأمر يتعلق بتعديلات إدارية، بل بضمان نظام يتحرك في الوقت المناسب ويحمي الأطفال الأكثر هشاشة قبل أن تتحول المعاناة إلى مأساة.
المصدر: صنداي تايمز
اقرأ أيضاً
الرابط المختصر هنا ⬇
