إبادة غزة: بإيقاف المساعدات، تصعد إسرائيل حربها على البقاء
إن قرار إسرائيل وقف عمليات 37 منظمة إغاثة دولية يمثّل تصعيدًا خطرًا في حملتها الإبادية المستمرة، التي دمّرت قدرة غزة على استدامة الحياة عبر القصف والحصار، وتتحرك الآن لحرمان الناجين من آخر أشكال المساعدة المتبقية.
وعلى الرغم من تقديمه بوصفه إجراءً إداريًّا، لا يمكن فهم هذه الخطوة الأخيرة بمعزل عن غيرها. فهي تتويج لمسار أطول امتد على مدى العامين الماضيين، إذ عملت إسرائيل بطريقة منهجية على تفكيك البنية التحتية الإنسانية والطبية التي تسند السكان المدنيين في غزة.
ومن خلال وقف التمويل ونزع الشرعية عن وكالة «الأونروا» (Unrwa)، الجهة الأساسية المكلّفة بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وبإطلاق اتهامات ضد العاملين في المجالين الإنساني والصحي، في ظل غياب ردع عالمي ذي معنى، رسّخت إسرائيل نظامًا قائمًا منذ زمن على استخدام المساعدات كسلاح.
وفي حين صاغت الحكومة الإسرائيلية في البداية تعليق عمل منظمات الإغاثة على أنه مرتبط بعدم امتثالها لمتطلبات التسجيل الجديدة، أشارت لاحقًا في بيان إلى أن العملية «تسعى إلى منع استغلال المساعدات من قبل حماس، التي عملت في الماضي تحت غطاء بعض منظمات الإغاثة الدولية، عن علم أو دون علم».
ولطالما اتهمت إسرائيل حركة حماس باستغلال المساعدات الإنسانية، رغم أن هذه الادعاءات دُحضت مرارًا على يد كثيرين، منهم مسؤولون عسكريون إسرائيليون كبار.
يتجاوز الإطار التنظيمي الجديد بكثير مسألة الامتثال التقني. إذ يفرض شروطًا سياسية وأيديولوجية صريحة لإيصال المساعدات، ويستبعد المنظمات التي دعمت مقاطعة إسرائيل أو انخرطت في «حملات نزع الشرعية».
ولا تنظّم هذه المعايير عمل الإغاثة فحسب؛ بل تُسكت المعارضة فعليًّا، إذ تجعل القدرة على تقديم المساعدة الإنسانية مشروطة بالامتثال السياسي.
اختبار الأونروا
كان تفكيك الأونروا اختبارًا حاسمًا. فعلى مدى عقود، شكّلت الوكالة العمود الفقري للحياة المدنية للاجئين الفلسطينيين، مقدّمة الرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الغذائية والخدمات الاجتماعية، في ظل الاحتلال والحصار الإسرائيليين.
بعد الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفت إسرائيل جهودها لإعادة تصوير الأونروا مشكلة سياسية ينبغي تحييدها، لا وكالة إنسانية تعمل بموجب تفويض دولي.
وسرعان ما جرى تعميم ادعاءات بأن عددًا محدودًا من موظفي الأونروا كانوا مرتبطين بحماس، أو متورطين في هجمات الـ7 من أكتوبر، لتتحول إلى مزاعم تطول المنظمة بأسرها.
وقد أدت هذه المزاعم إلى تعليق واسع النطاق لتمويل المانحين، ويشمل ذلك التجميد الفوري للتمويل الأميركي، وهو من أكبر مصادر دعم الأونروا، ما يوضح مدى سرعة استعداد الدول للتحرك استنادًا إلى ادعاءات إسرائيلية بلا أدلة، في وقت يتمثل هدفها العام في تجنّب التدقيق العالمي في جرائمها.
وفي الأشهر التي تلت ذلك، منعت إسرائيل عمليات الأونروا على الأرض، وأقرّت تشريعات تجرّم أنشطتها في عموم فلسطين التاريخية.
وكان رد المجتمع الدولي لافتًا في ضعفه: فبينما استأنف بعض المانحين في نهاية المطاف تمويل الأونروا، لم تُفعَّل أي آليات إنفاذ مُلزِمة، ولم تُفرض أي تكلفة سياسية جدية على إسرائيل.
وهكذا أظهر اضطهاد الأونروا مدى سهولة تفكيك ركيزة مركزية من النظام الإنساني، ممهدًا الطريق لما سيأتي لاحقًا، حين أطلقت إسرائيل هجومًا أوسع على منظمات الإغاثة الدولية العاملة في غزة.
إن تبعات هذه الخطوة الأخيرة مدمّرة. فعلى مدى عقود، قدّمت هذه المنظمات خدمات أساسية، في ظل التدهور المنهجي للبنية التحتية المدنية والاعتداءات المتكررة على الرعاية الصحية في غزة. وتوفّر مجموعات مثل «أطباء بلا حدود» و«الإغاثة الطبية للفلسطينيين» موارد حيوية للرعاية الطارئة ورعاية الصدمات، إلى جانب خدمات بارزة أخرى لإسناد النظام الصحي الهش في غزة، في وقت تضرّرت فيه مستشفيات كثيرة أو خرجت عن الخدمة.
حواجز أمام الانهيار
إن مركزية منظمات الإغاثة الدولية لبقاء غزة هي بحد ذاتها مقياس لعمق الدمار المفروض على المجتمع الفلسطيني. فقد عملت هذه الجهات طويلًا في مساحات جرى فيها تفكيك المؤسسات الفلسطينية وتأجيل الحلول السياسية.
وفي غياب إنهاء الاحتلال والحصار الإسرائيليين، أصبح وجودها أحد الحواجز القليلة المتبقية أمام الانهيار الشامل. وفي سياق إبادة جماعية مستمرة وتدمير البنية التحتية اللازمة لاستدامة الحياة في غزة، فإن نزع ما تبقى من الوجود الإنساني يرقى إلى اعتداء مباشر على البقاء ذاته.
سعت الحكومة الإسرائيلية إلى التقليل من أثر التعليقات عبر الزعم بأن المنظمات المستهدفة «لم تُدخل مساعدات إلى غزة طوال وقف إطلاق النار الحالي، وحتى في الماضي لم تتجاوز مساهمتها المشتركة نحو 1 في المئة من إجمالي حجم المساعدات».
لكن هذا الحساب للمساعدات المادية يعجز عن التقاط طبيعة العمل والخدمات التي قدّمتها هذه المجموعات، ويشمل ذلك الرعاية الطبية المتخصصة، وجراحة الصدمات، وإعادة تأهيل المصابين وذوي الإعاقة، وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي والصحة النفسية، والدعم المؤسسي المستدام لإبقاء النظام الصحي المنهار في غزة قيد العمل.
في عام 2025 وحده، أجرت «أطباء بلا حدود» قرابة 800 ألف استشارة للمرضى الخارجيين، وعالجت أكثر من 100 ألف حالة صدمة في غزة، فيما نفّذت «الإغاثة الطبية للفلسطينيين» تدخلات حرجة عديدة، ويشمل ذلك توسيع نطاق رعاية السرطان في شمال القطاع.
إن حساب «الواحد في المئة» الذي تطرحه إسرائيل، والذي لم يُتحقَّق منه باستقلالية، يختزل الأثر الإنساني في مؤشرات كمية للإمدادات، بدلًا من القدرة على إنقاذ الأرواح. وتقديم هذه المنظمات بوصفها هامشية ليس تقييمًا واقعيًّا، بل سردية تسعى إلى تطبيع إزالتها.
ما يتبدّى هو استراتيجية متماسكة: أولًا، إنتاج التبعية عبر الحصار والتدمير وتفكيك المؤسسات؛ ثم تسليح تلك التبعية من خلال التحكم بوسائل البقاء أو سحبها.
في غزة، حيث دمّرت إسرائيل بالفعل الشروط المادية للحياة، يُكمِل تعليق العمليات الإنسانية هذا المنطق. فهذه ليست إخفاقًا للعمل الإنساني، بل جزء من استراتيجية إبادة أوسع، يُستخدم فيها تنظيم المساعدات وسحبها لجعل البقاء نفسه أكثر استحالة.
المصدر: ميدل إيست آي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
