في شهادةٍ موجعة تكشف كلفة الاحتلال الإسرائيلي وحربه المدمّرة على غزة، قالت الفلسطينية بُشرى عبد الباري إن نقل طفلها محمد (6 سنوات) لتلقي العلاج في أيرلندا كان «بصيص أمل وسط الركام»، بعد أن فقد ساقه إثر قصفٍ استهدف خيمتهم في جنوب القطاع، رغم أنها كانت ضمن منطقة قيل إنها “آمنة”.
نزوحٌ تحت العدوان… من غزة إلى رفح ثم خان يونس
العدوان الإسرائيلي على غزة (أنسبلاش)
تروي بُشرى عبد الباري أن عائلتها اضطرت للنزوح مراراً خلال عام 2024: من مدينة غزة إلى رفح ثم إلى خان يونس. وفي أحد المخيمات، كانت العائلة تعيش داخل خيمة عندما أصابها صاروخ، لتصبح هدفٍ مباشر للقصف، رغم أنها ملاذٌ النازحين.
وتقول الأم إنها كانت تحاول إنقاذ زوجها، فمزّقت قميصها لتلفّه حول ساقه النازفة، قبل أن يناديها محمد: «ماما، انظري إليّ». وعندما حملته، تقول إن ساقه انفصلت وسقطت من بين ذراعيها. وتضيف أن وجهه بدأ يصفرّ وشفتيه تميلان إلى الزرقة.
في تلك الفوضى، طرقَت بُشرى خياماً كثيرة تطلب المساعدة، لكن لا أحد استطاع التدخل. ثم لجأت إلى جارٍ أقنعته بعد إلحاح، فجاء بدراجته ووضع محمد في صندوق خشبي مثبت عليها، وانطلق إلى المستشفى في رحلةٍ استغرقت نحو ساعتين.
وقبل أن يغادر، ودّعته وهي تتوسل إليه أن يقاوم: «رجاءً يا حمّودي، حاول ألا تتركني وحدي… لا أستطيع العيش من دونك».
إنقاذٌ مستحيل للزوج… ثم خبر الوفاة
بعد إرسال طفلها، عادت بُشرى إلى زوجها تطلب منه أن يكون قوياً. وتذكر أن شاحنة مياه مرت فجأة، فتوسلت للسائق، وساعدها على حمل زوجها ووضعه في مساحةٍ شديدة الضيق بجوار خزان المياه، تصفها بأنها مكان لا يليق بإنسانٍ يحتضر.
وعندما عادت إلى الخيمة، اكتشفت أن ابنها زين الدين أصيب بشظايا في الصدر، وأن ابنتها كنزي أصيبت أيضاً، بينما كانت آثار الإصابة على جسدها هي كذلك. وبعد أن نقلت أبناءها إلى المستشفى، جاء الخبر القاسي: زوجها شهيد.
صدمة 41 يوماً… ودفن الزوج مع ساق الطفل
العدوان الإسرائيلي على غزة (أنسبلاش)
تصف بُشرى عبد الباري القصف بأنه لحظة انهار فيها كل شيء دفعة واحدة»، وتقول إنها ظلت 41 يوماً في صمت وذهول. وتضيف أنها دفنت جثمان زوجها مع ساق ابنها، ثم اندفعت تلقائياً للبقاء في المستشفى قرب محمد، دون وقت للعزاء أو حتى للراحة.
مستشفيات منهكة في غزة: “لا أسرّة ولا إمكانات”
تقول بُشرى إنهم قضوا أربعة أشهر في المستشفى، ثم عادوا إلى الخيمة مع استمرار مراجعات المستشفى. وتصف واقع الرعاية الصحية في غزة تحت القصف والحصار بأنه شبه معدوم: “لا إمكانات، لا أسرّة، لا شيء… ينقلونك من مرحلة الموت إلى الحياة ثم يخرجونك: نجوت، افعل ما تشاء”.
من غزة إلى مصر… ثم “نداء نجاة” إلى أيرلندا
بعد قرابة عام، جرى إجلاء بُشرى ومحمد إلى مصر لعلاج تضرّر عصب في ساقه اليمنى، لكنها تقول إن العلاج المتخصص للأعصاب لم يكن متاحاً. وبعد ثلاثة أشهر، تلقت اتصالاً بعرض نقل محمد إلى أيرلندا. وتصف تلك اللحظة بأنها “نداء نجاة”، وتقول إنها لم تتردد: وافقت فوراً، ووصلت إلى أيرلندا في مايو الماضي، معتبرة أن ذلك كان الطريق الوحيد لإنقاذ طفلها.
برنامج الإجلاء الطبي: 30 طفلاً… وثلاث موجات منذ ديسمبر 2024
التزمت أيرلندا بإجلاء 30 مريضاً من الأطفال من غزة، استجابة لطلبٍ من منظمة الصحة العالمية (WHO) لحشد استجابة أوروبية لاحتياجات القطاع الصحية الحادة.
ومنذ ديسمبر 2024، نُفّذت ثلاث موجات إجلاء. وحتى الآن، وصل 19 طفلاً مريضاً و84 من أفراد أسرهم إلى أيرلندا، قادمين من مصر في ديسمبر 2024 ومايو 2025، ومن الأردن في أكتوبر 2025.
ثمن الفراق: ثلاثة أطفال في غزة “يكافحون للبقاء”
العدوان الإسرائيلي على غزة (الأناضول/ Mustafa Hassona)
عندما سافرت بُشرى عبد الباري للعلاج في أيرلندا، اضطرت لترك أطفالها الثلاثة الآخرين، غزل (14 عاماً)، زين الدين (12 عاماً)، كنزي (8 أعوام) — مع جدتهم البالغة 80 عاماً داخل غزة. وتقول إنهم نزحوا من مكان إلى آخر، وناموا ثلاث ليالٍ في الشارع بعد تمزق خيمتهم، وفي مرةٍ أخرى لم يجدوا طعاماً واضطروا للشرب من مياه قذرة لمدة 10 أيام.
وخلال غياب أشقائه، تقول إن محمد توقف عن الأكل. وعندما اجتمعوا مجدداً في أكتوبر كان في غاية السعادة، وتصف بُشرى لم الشمل بأنه نقلهم جميعاً إلى “مكانٍ آخر… كوكب آخر”.
وتضيف بُشرى عبد الباري إنها باتت تشعر بأن عائلتها “تنتمي” إلى أيرلندا، وتشيد بالمجتمع والسلطات والمؤسسات الصحية والتعليمية، مؤكدة أنها لم تجد “مكان نجاة” فقط، بل “بيتاً ثانياً”، وأنها تعلمت من الأيرلنديين “قيم المسؤولية والإنسانية”.
تكريم في Temple Street وشراكات إنسانية واسعة
قبل عيد الميلاد، أُقيمت فعالية في Children’s Health Ireland في Temple Street، استعرض خلالها العاملون نجاح البرنامج، وتحدثوا عن التعاون بين جهات عدة: الصليب الأحمر وHSE (الهيئة الصحية الأيرلندية) وإدارات حكومية أيرلندية، ومنظمة الصحة العالمية، وسفارتي الأردن والنرويج. وبعد العرض، تلقى محمد وإخوته الثلاثة هدايا عيد الميلاد من طاقم المستشفى.
وقال رئيس برنامج Medevac Ireland الدكتور Turlough Bolger إن عمليات الإجلاء تتطلب مراجعة مئات ملفات منظمة الصحة العالمية لاختيار المرضى الأنسب للعلاج في أيرلندا، مؤكداً أن البرنامج لن يكون على حساب المرضى الأيرلنديين. وأضاف أن الفريق عالج حالات تراوحت بين البتر والإصابات الرضحية، وبين مواليد جدد لديهم حالات قلبية خلقية.
وترى منصة العرب في بريطانيا AUK أن ما تعرض له الطفل محمد لا يمكن التعامل معه بوصفه واقعةً معزولة، بل هو مثال صارخ على تداعيات الاحتلال الإسرائيلي وسياساته التي حوّلت المدنيين—حتى داخل الخيام ومناطق “الأمان المزعوم”—إلى شهداء أو مصابين. وتؤكد المنصة أن مبادرات الإجلاء والعلاج، مثل البرنامج الأيرلندي، تمثل استجابةً إنسانيةً ضرورية، وتدعو إلى توسيعها في بريطانيا ودول أوروبا عبر توفير مسارات علاج آمنة وتسريع لمّ شمل العائلات، بما يخفف عن الأسر الفلسطينية جزءاً من عبء العدوان المستمر.