العرب في بريطانيا | كيف يصنع الصيام إرادة الإنسان في زمن الهزائم وا...

1447 رمضان 24 | 13 مارس 2026

كيف يصنع الصيام إرادة الإنسان في زمن الهزائم واليأس

كيف يصنع الصيام إرادة الإنسان في زمن الهزائم واليأس
عدنان حميدان March 12, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

مع اقتراب نهاية شهر رمضان، يتكرر السؤال الذي قد يخطر على بال كثيرين: ماذا بقي معنا من هذا الشهر؟ أكان مجرد أيامٍ امتنعنا فيها عن الطعام والشراب، ثم عدنا بعدها إلى حياتنا المعتادة؟ أم أنه كان رحلة أعمق بكثير، رحلة أعادت ترتيب شيءٍ جوهري في داخلنا اسمه الإرادة؟

الحقيقة أن رمضان ليس مجرد عبادة زمنية، بل هو مدرسة سنوية تُعيد تدريب الإنسان على شيءٍ يكاد يضيع في زحام الحياة الحديثة: القدرة على التحكم في النفس.

في عالمٍ تُقاس فيه السعادة بكمية ما نستهلك، ويُدفع الإنسان فيه لاتباع رغباته دون توقف، يأتي رمضان ليقلب المعادلة بالكامل. فجأة يكتشف الإنسان أنه قادر على أن يقول “لا”.

لا للطعام
لا للماء
لا لأبسط رغبات الجسد…
وذلك لساعاتٍ طويلة، طاعةً لله.

هذه التجربة ليست يسيرة كما تبدو. في حقيقتها هي إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان ونفسه.

فالإنسان الذي يستطيع أن يمنع نفسه عن المباح، يستطيع أن يمنعها عن الحرام.

والإنسان الذي يتعلم أن يضبط شهواته، يصبح أقدر على ضبط خوفه ويأسه وغضبه.

وهنا يكمن المعنى الأعمق للصيام.

نحن لا نعيش فقط في زمن صعوبات اقتصادية أو اضطرابات سياسية، بل نعيش في زمنٍ تُستهدف فيه إرادة الإنسان نفسه.
هناك عالمٌ كامل يعمل ليجعل الإنسان كائناً مستهلكاً، لا يفكر إلا في ما يشتريه، وما يأكله، وما يلهيه.

وفي المقابل، حين تقع المآسي الكبرى، يُدفع هذا الإنسان إلى الشعور بالعجز الكامل، حتى يقتنع أن لا دور له في تغيير أي شيء.

انظر حولك إلى ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي، وإلى مشاهد الألم التي تتكرر في غزة وسواها من ساحات المعاناة.

كثيرون يشعرون بالعجز، وبعضهم يستسلم لفكرة أن الواقع أكبر من قدرة الناس على تغييره.

لكن رمضان يأتي كل عام ليُبعِد هذه الفكرة بهدوء.

فهو يقول لك ببساطة:
أنت قادر.

أنت الذي استطعت أن تمنع نفسك عن الطعام والشراب طوال النهار، رغم أن كليهما أمامك ومتاح لك.
أنت الذي قاومت العطش والجوع والإرهاق.
أنت الذي ضبطت لسانك وغضبك في كثير من اللحظات.

إذا كنت قادراً على كل هذا، فكيف تقنع نفسك بأنك عاجز عن إصلاح نفسك أو مجتمعك أو واقعك؟

رمضان في جوهره تدريب على الحرية.

فالإنسان الذي تتحكم به شهواته ليس حراً، حتى لو امتلك المال والسلطة.
والإنسان الذي يملك القدرة على كبح رغباته هو الإنسان الذي يملك قراره.

لهذا لم يكن الصيام في الإسلام مجرد عبادة فردية، بل كان دائماً مرتبطاً ببناء الشخصية القوية القادرة على تحمل المسؤولية.

ولعل من أجمل ما في هذا الشهر أنه لا يطلب من الإنسان أعمالاً خارقة.
بل يطلب منه أشياء تبدو يسيرة:
أن يمتنع عن الطعام
أن يضبط لسانه
أن يكثر من فعل الخير
أن يتذكر الفقراء
وأن يراجع نفسه.

لكن هذه الأمور اليسيرة حين تتكرر يوماً بعد يوم، طيلة شهر كامل، تُحدث تحولاً كبيراً في داخل الإنسان.

إنها أشبه بدورة تدريبية مكثفة تعيد شحن الإرادة التي استنزفتها الحياة.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي مع اقتراب نهاية رمضان ليس: كم صمنا؟
بل: ماذا تعلمنا من الصيام؟

هل خرجنا بإرادة أقوى؟
هل أصبحنا أقدر على قول “لا” لما يضرنا؟
هل تعلمنا أن الإنسان يمكنه أن يغير نفسه إذا أراد؟

المشكلة أن كثيرين يتعاملون مع رمضان كأنه محطة عابرة.
ينتهي الشهر، فتعود العادات القديمة بسرعة، وكأن شيئاً لم يكن.

لكن الذين يفهمون روح هذا الشهر يدركون أن رمضان ليس نهاية الطريق، بل بدايته.

فالصيام ليس الهدف النهائي، بل هو وسيلة لبناء إنسانٍ أقوى نفساً وأوضح رؤيةً وأشد صبراً.

إن الأمة التي تملك أفراداً أصحاب إرادة لا يمكن أن تبقى مهزومة إلى الأبد.
والشعوب التي تفقد إرادتها لا ينفعها أي سلاح أو ثروة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة ليس الفقر ولا الحصار، بل فقدان الإرادة.

حين يقتنع الناس أنهم عاجزون عن التغيير، يصبح الواقع سجناً مغلقاً.

لكن رمضان يأتي كل عام ليذكّرنا بحقيقة مختلفة:
الإنسان أقوى مما يظن.

فإذا كان يستطيع أن ينتصر على نفسه ثلاثين يوماً، فهو قادر على أن ينتصر على ضعفه وخوفه أيضاً.

مع اقتراب نهاية هذا الشهر الكريم، ربما يجدر بكل واحدٍ منا أن يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:

أكان رمضان مجرد جوعٍ وعطشٍ عابرين؟

أم أنه كان لحظة استيقاظٍ لإرادةٍ كادت أن تنام؟

فالأمم لا تُبنى بالخطابات وحدها، ولا بالشعارات الكبيرة، بل تُبنى أولاً بإنسانٍ يعرف كيف يملك نفسه.

وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي يهمس به رمضان في قلوبنا كل عام:

إن الطريق إلى تغيير العالم يبدأ دائماً من لحظة انتصار الإنسان على نفسه.


اقرأ أيضًا:

 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

const GEMINI_KEY = "AIzaSyCMpJj1D41QmucE85rYxEva_IS5E8SvloU"; // ← ضع مفتاحك هنا