اليوم العالمي للنوم: لماذا أصبحت بريطانيا الدولة الأكثر معاناة من الأرق في العالم؟
كشفت دراسة عالمية جديدة أن المملكة المتحدة جاءت في المرتبة الأخيرة عالميًا من حيث جودة النوم المريح، في مؤشر مقلق يسلّط الضوء على أزمة صحية متنامية ترتبط بشكل متزايد بالضغوط المالية وثقافة العمل الحديثة. وجاءت هذه النتائج ضمن بحث عالمي أجرته عيادة النوم التابعة لشركة ResMed بمناسبة اليوم العالمي للنوم الذي يوافق 13 مارس 2026، وشمل نحو خمسة آلاف بالغ في بريطانيا وعددًا من دول العالم.
وتكشف البيانات أن البريطانيين يحصلون في المتوسط على 3.6 ليالٍ جيدة فقط من النوم أسبوعيًا، وهو رقم يقل بشكل واضح عن المتوسط العالمي الذي يبلغ 4.2 ليالٍ مريحة. أما في بعض الدول الآسيوية مثل اليابان والصين، فيتجاوز المعدل 4.6 ليالٍ مريحة في الأسبوع، ما يضع بريطانيا في ذيل الترتيب العالمي ويعكس فجوة متزايدة في جودة النوم بين البريطانيين وسكان دول أخرى.

ولا تقف المشكلة عند حدود الأرقام المجردة، إذ ترسم الدراسة صورة أكثر قتامة عند التعمق في تفاصيلها؛ فـ 12% من البريطانيين يؤكدون أنهم لا يحصلون على أي ليلة نوم مريحة طوال الأسبوع، بينما يقول ثلث السكان تقريبًا (33%) إنهم يستيقظون مرهقين ثلاث ليالٍ على الأقل أسبوعيًا. كما أشار 30% إلى أنهم يستيقظون في وقت أبكر مما خططوا له عدة مرات أسبوعيًا، في حين يعاني27% صعوبة في النوم أو الاستمرار فيه ثلاث مرات على الأقل كل أسبوع. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة من يستيقظون منتعشين طوال أيام الأسبوع 13% فقط، وهو ما يعني أن النوم الجيد أصبح استثناءً أكثر منه قاعدة في الحياة اليومية للكثير من البريطانيين.
وعلى الرغم من أن مدة النوم في بريطانيا تبلغ في المتوسط 6.5 ساعات يوميًا، وهو رقم يقل قليلًا عن المتوسط العالمي البالغ 6.8 ساعات، فإن الخبراء يشيرون إلى أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بعدد الساعات بقدر ما تتعلق بجودة النوم نفسها. فالمقارنة الدولية تظهر أن دولًا مثل البرازيل وأستراليا والمكسيك تحقق معدلات أعلى من الليالي المريحة أسبوعيًا، بينما تأتي دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة في مرتبة أفضل نسبيًا من بريطانيا، التي استقرت في أسفل القائمة.
وفي محاولة لفهم أسباب هذا التراجع، تكشف الدراسة أنالضغوط المالية أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في اضطرابات النوم لدى البريطانيين. فحوالي 18% من المشاركين قالوا إن القلق المرتبط بالوضع المالي يؤثر على نومهم ثلاث ليالٍ على الأقل في الأسبوع. وتأتي بعد ذلك المخاوف الصحية بنسبة 16%، ثم المسؤوليات العائلية بنسبة 15%، في حين تشكل ضغوط العمل نحو 13% من أسباب الأرق المتكرر. ويعتقد الخبراء أن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية المتزايدة يدفعان الكثير من البريطانيين إلى “اصطحاب قلقهم إلى السرير”، ما يؤدي إلى نوم متقطع وغير مريح.

لكن الضغوط النفسية ليست السبب الوحيد للأرق؛ إذ تشير الدراسة أيضًا إلى أن العلاقات الشخصية تلعب دورًا واضحًا في اضطراب النوم. فبين الأشخاص الذين يعيشون مع شركاء، قال 34% إن شريكهم يزعج نومهم مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، بينما أكد 7% أن ذلك يحدث كل ليلة تقريبًا. ويأتي الشخير أو التنفس المرتفع في مقدمة الأسباب بنسبة 42%، يليه الاستيقاظ المتكرر خلال الليل بنسبة 30%، ثم الحركة الكثيرة أثناء النوم أو سحب الأغطية بنسبة 19% لكل منهما.
ومع تزايد هذه المشكلات، بدأ بعض الأزواج يلجؤون إلى النوم في غرف منفصلة بحثًا عن راحة أكبر. وتشير النتائج إلى أن نصف الأزواج الذين ينامون بشكل منفصل يقولون إن ذلك حسّن جودة نومهم بشكل واضح، إلا أن هذا الحل لا يخلو من آثار جانبية؛ إذ يرى 31% منهم أنه أثر سلبًا على حياتهم الجنسية، بينما يعتقد 26% أنه أضعف الترابط العاطفي بينهم.
وفي سياق متصل، تسلط الدراسة الضوء على جانب آخر من الأزمة يتمثل في ثقافة العمل في بريطانيا، حيث أصبح الإرهاق المزمن أمرًا شبه طبيعي. فقد أظهرت النتائج أن 37% من الموظفين لم يتغيبوا عن العمل يومًا واحدًا بسبب التعب الناتج عن قلة النوم، ما يعكس ميلًا متزايدًا لدى العاملين إلى تجاهل الإرهاق ومواصلة العمل رغم تأثيراته الصحية.
ويحذر خبير النوم جوشوا بايبر من عيادة النوم في لندن التابعة لشركة ResMed من أن هذه النتائج يجب أن تُعامل باعتبارها جرس إنذار حقيقيًا. ويشير إلى أن النوم غير المريح المتكرر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب واضطرابات التمثيل الغذائي ومشكلات الصحة النفسية، فضلًا عن تأثيره المباشر في المزاج والإنتاجية والقدرة على التركيز.

وفي محاولة لمواجهة هذه الأزمة، يوصي الخبراء بعدد من الخطوات البسيطة التي يمكن أن تساعد في تحسين جودة النوم، مثل تخصيص وقت في المساء لمعالجة مصادر التوتر بدلًا من التفكير بها أثناء الاستلقاء، والحفاظ على وقت ثابت للاستيقاظ يوميًا لتعزيز انتظام الساعة البيولوجية، إضافة إلى معالجة المشكلات المرتبطة بالشريك مثل الشخير أو الحركة الزائدة أثناء النوم. كما ينصحون بالتركيز على تغيير عادة واحدة فقط في البداية، مثل تقليل استخدام الشاشات قبل النوم أو خفض درجة حرارة غرفة النوم، لأن التحسن الحقيقي يأتي من الالتزام المستمر لا من الحلول السريعة.
وفي النهاية، تشير هذه الدراسة إلى أن أزمة النوم في بريطانيا لم تعد مجرد مشكلة فردية عابرة، بل أصبحت ظاهرة واسعة النطاق تمس صحة المجتمع بأكمله. ومع اقتراب اليوم العالمي للنوم، يرى الخبراء أن تحسين جودة النوم قد يكون أحد أهم التحولات الصحية التي يحتاجها ملايين البريطانيين اليوم، ليس فقط لاستعادة نشاطهم اليومي، بل أيضًا لحماية صحتهم الجسدية والنفسية على المدى الطويل.
إقرأ أيضًا:
- 5 خرافات حول نوم الرضع تسبب ضغوطاً غير مبررة للأمهات
- النوم المثالي يبدأ بقاعدة 3-2-1: خطوات بسيطة لنوم عميق ومريح
- لماذا يعد المغنيسيوم دواءً سحريا في تحسين النوم؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇



