التطوع عبادة لاتغيب في رمضان
في كل عام، ومع حلول شهر رمضان المبارك، تتغيّر أنماط حياتنا وتتبدّل أولوياتنا، فنُقبل بشكلٍ أكبر على العبادات من صلاةٍ وزكاةٍ وإطعامِ طعامٍ وقراءةِ القرآن الكريم، طمعاً بالأجر والثواب المضاعف في شهر الخير.
غير أنّ بعض الناس يظنّون أن الانشغال بالعبادات الفردية يقتضي التقليص من الأعمال التطوّعية والخيرية، وكأنّ هذه الأعمال أمرٌ ثانوي يمكن تأجيله إلى ما بعد الشهر الكريم. والحقيقة أنّ هذا الفهم يحتاج إلى مراجعةٍ عميقة وإدراكٍ بأن العمل التطوّعي في جوهره عبادة، وأن الخير لا يعرف موسماً يتوقّف فيه، بل يزدهر أكثر في المواسم المباركة.
إن روح رمضان قائمة على الرحمة والتكافل والإحسان؛ فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يُربّي في النفس الشعور بالآخرين ويوقظ الإحساس بمعاناة الفقراء والمحتاجين. فكيف يمكن أن نعيش معنى الصوم الحقيقي ثم نعتزل ميادين العطاء؟ إن قضاء حوائج الناس، ومساعدة المحتاج، وكفالة اليتيم، وزيارة المريض، ودعم المبادرات المجتمعية، ونشر الوعي، كلّها صور عملية لترجمة قيم الشهر إلى سلوكٍ يومي.
العمل التطوّعي ليس عملاً دنيوياً منفصلاً عن العبادة، بل هو من صميمها. حين يمدّ الإنسان يده بالعون لغيره ابتغاءَ وجه الله، فهو يمارس عبادةً قلبيةً وسلوكيةً في آنٍ واحد. بل إن بعض صور التطوّع قد تكون أعظم أثراً من عباداتٍ فردية لا يتعدّى نفعها صاحبها؛ فالدين جاء لبناء الإنسان والمجتمع معاً، ولم يُرد من أتباعه أن ينقطعوا عن الناس بحجّة التفرّغ للعبادة، بل أن يحقّقوا التوازن بين حقّ النفس وحقّ الآخرين.
ومن المؤسف أن تتعطّل بعض المبادرات الخيرية في رمضان بحجّة الإرهاق أو الانشغال بالطاعات، بينما الأصل أن يكون هذا الشهر موسماً مضاعفاً للبذل والعطاء. إن ساعةً يقضيها المرء في مساعدة الناس وقضاء حوائجهم، أو توزيع سلالٍ غذائية، أو تنظيم إفطار صائم، أو دعم أسرةٍ متعفّفة، أو حتى جوابٍ لسؤال قد يعود بالنفع على سائله، قد توازي ساعاتٍ طويلة من العبادات الفردية إذا صلحت النيّة وخلص العمل.
رمضان ليس شهراً للانعزال، بل مدرسة لإحياء الضمير، ومدرسة للبذل والعطاء الاجتماعي. وإذا كنّا نرجو الأجر والثواب، فإن أبواب الخير في هذا الشهر مفتوحة، والعمل التطوّعي أحد أعظم هذه الأبواب. فلنجعل من أيامه فرصةً لتعميق أثرنا في حياة الآخرين وزيادة الأجر والثواب بقضاء حوائجهم، ولنتذكّر دائماً أن الخير الذي نزرعه اليوم سيبقى أثراً طيّباً لا يُنسى، وأن العبادة الحقّة، هي ما جمعت بين إخلاص القلب ونفع الخلق؛ فأحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس. ولنتذكّر شيئاً مهمّاً _دوماً_ أنّنا سنرحل ويبقى الأثر.
اقرأ أيضًا:
- نداء الفجر الأول: رمضان الذي غيّر وجه التاريخ
- قادة بريطانيا يوجّهون رسائل للمسلمين بمناسبة شهر رمضان 2026
- دليل العرب في بريطانيا لفعاليات رمضان وعيد الفطر في لندن لعام 2026
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
