العرب في بريطانيا | ازدواجية المعايير لدى وزارة الداخلية البريطانية...

1447 رمضان 20 | 09 مارس 2026

ازدواجية المعايير لدى وزارة الداخلية البريطانية: لماذا يُعاقَب السودان وتُستثنى باكستان؟

ازدواجية المعايير لدى وزارة الداخلية البريطانية: لماذا يُعاقَب السودان وتُستثنى باكستان؟
صلاح عبدالله March 9, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في أروقة السياسة، قد تتباين القرارات وتتبدل الأولويات، غير أن ما لا يمكن استساغته أو تبريره هو تلك الازدواجية الصارخة في المعايير حين يتصل الأمر بحيوات البشر ومصائرهم.

إن القرار الأخير للحكومة البريطانية بتعليق منح تأشيرات الطلاب لعدد من الدول – وعلى رأسها السودان – يضعنا أمام تساؤل جوهري ومستحق: لماذا السودان تحديدًا؟ وكيف غابت باكستان عن هذه القائمة رغم أن لغة الأرقام تقول خلاف ذلك؟

تذرعت الحكومة في قرارها بتنامي طلبات اللجوء من جنسيات دخلت المملكة المتحدة بموجب تأشيرات دراسية، لكن القراءة الموضوعية للمعطيات الميدانية تجعل المنطق الذي استند إليه القرار يتهاوى سريعًا.

فوفقًا للإحصاءات المتداولة، لم يتجاوز عدد الطلاب السودانيين الذين تقدموا بطلبات لجوء بعد دخولهم بتأشيرات دراسة حاجز الـ 120 طالبًا فقط.

مائة وعشرون شخصًا.. من بلد يرزح تحت وطأة واحدة من أفظع الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.

إن السودان اليوم يحترق بنيران حرب مدمرة، ويقاسي الملايين من مدنييه مأساة إنسانية غير مسبوقة؛ ومع ذلك، وبدلًا من أن تبدي بريطانيا قدرًا من التضامن الإنساني مع هذه الفاجعة، اختارت وزارة الداخلية أن تفرض عقابًا جماعيًا على بلد بأكمله جراء 120 حالة فحسب.

في المقابل، تستبين الأرقام أن المواطنين الباكستانيين يتصدرون قائمة طالبي اللجوء من فئة الداخلين بتأشيرات قانونية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن قرابة ربع هذه الطلبات تعود لمواطنين باكستانيين، في وقتٍ مُنحت فيه أكثر من 30 ألف تأشيرة طالب لباكستانيين خلال عام واحد فقط.

بل وتذهب بعض الإحصاءات إلى أن أكثر من 10,600 باكستاني دخلوا البلاد بصفة قانونية ثم آثروا التقدم بطلبات لجوء لاحقًا، ومع ذلك، بقيت باكستان بمنأى عن أي قرار تقييدي.

السؤال هنا بسيط ومباشر: لماذا؟

حين واجهت الصحفية البريطانية “كاميلا توميني” وزيرة الداخلية “شبانة محمود” بهذا التساؤل، جاء الرد مقتضبًا وضبابيًا، حيث أفادت الوزيرة بأنها “لن تقدم تعليقًا مستمرًا على المداولات مع الدول والجنسيات الأخرى”.

لكن هذا الرد لم يحمل إجابة تشفي غليل التساؤل الحقيقي، بل ضاعف منسوب الريبة والشكوك. كيف يُفسَّر عقاب السودان بقرارات شاملة جراء 120 حالة، بينما تُستثنى باكستان بالكامل رغم تصدرها للأرقام؟
هنا يتنحى منطق الأرقام، ليفسح المجال للغة السياسة.

يدرك حزب العمال جيدًا الثقل الانتخابي الوازن للجالية الباكستانية في بريطانيا؛ فهي تاريخيًا تمثل أحد الروافد التصويتية الكبرى للحزب، لاسيما في المدن الكبرى والدوائر الانتخابية المفصلية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال أن وزيرة الداخلية نفسها تنحدر من أصول باكستانية، مما يجعل أي قرار قد يُفسر على أنه استهداف للجالية الباكستانية بقرارات ابنة هذه الجالية، وذلك يُعد بمثابة “انتحار سياسي” أو خطوة بالغة الحساسية.

إننا لا نطالب بتمييز سلبي ضد الباكستانيين أو أي جالية أخرى، بل ننشدُ العدالة المجردة في إنفاذ السياسات. فإذا كان معيار المنع هو استغلال تأشيرات الدراسة لطلب اللجوء، فالأولى أن يُطبق هذا المعيار بمسطرة واحدة على الجميع.

أما أن يُعاقب بلد يعيش تداعيات حربٍ كارثية بسبب عشرات الحالات، ويُغض الطرف عن بلد آخر رغم الأرقام الهائلة، فهذه ليست سياسة هجرة متزنة، بل هي في أحسن أحوالها انتقائية سياسية، وفي أسوئها محاولة لمداهنة قاعدة انتخابية مؤثرة.

وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر لا يقل أهمية:

هل سلكت وزارة الداخلية درب المشاورات مع الجانب السوداني قبل الإقدام على هذه الخطوة؟

هل بُحثت الحلول الممكنة مع المؤسسات التعليمية أو الحكومة السودانية؟ أم أن القرار اتُخذ ببساطة لأن السودان لا يمتلك “الوزن السياسي” أو “الثقل الانتخابي” الذي يحصنه داخل أروقة القرار البريطاني؟

في الختام، ليست المعضلة في تشديد سياسات الهجرة، فسيادة الدول على حدودها حق أصيل، لكن الطامة تكمن حين تتحول السياسات إلى أدوات انتقائية تخضع للحسابات الحزبية الضيقة؛ عندها تفقد هذه السياسات صمام أمانها: المصداقية والعدالة.

إن الرسالة التي يبعث بها هذا القرار ممعنة في الخطورة، مفادها: أن التوازنات الانتخابية تعلو فوق الحقائق المجرَّدة، وأن بعض الدول يسهل استهدافها.. بينما تُعصم دول أخرى ليس بفضل الأرقام، بل بفضل صناديق الاقتراع.

وهو أمر يظل بحاجة إلى إجابة صريحة وشفافة من وزيرة الداخلية:

لماذا السودان.. وليس باكستان؟


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا