العرب في بريطانيا | الذكاء الاصطناعي بين فوبيا التقنية والتقديس: هل...

1447 شوال 28 | 16 أبريل 2026

الذكاء الاصطناعي بين فوبيا التقنية والتقديس: هل نخشى على العقول أم نهرب من اختبارها؟

الذكاء الاصطناعي
عدنان حميدان April 15, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في كل مرة تفتح فيها البشرية نافذةً جديدة نحو الضوء، نجد من يسارع لإغلاق الستائر، بدعوى حماية أعيننا من “أشعة الشمس الحارقة”. هكذا ببساطة. لا لأن الضوء مؤذٍ بالضرورة، بل لأن بعض الناس اعتاد العتمة، أو اعتاد أن يكون هو من يتحكم بكمية الضوء التي تصل إلى الآخرين.

اليوم، يتكرر المشهد ذاته مع الذكاء الاصطناعي. ضجيجٌ كبير، وتحذيرات متلاحقة، وكأننا أمام خطرٍ وجودي داهم. لكن حين نُمعن النظر، نجد أن كثيراً من هذا الخوف لا يتعلق بالعقول بقدر ما يتعلق بالمكانة؛ لا بالخطر بقدر ما يتعلق بفقدان السيطرة.

هذا ليس جديداً. حين ظهر (Google Search)، قيل إن الذاكرة البشرية ستضعف، وإن الإنسان سيتحول إلى كائن كسول لا يحفظ ولا يفهم. وحين انتشرت (Wikipedia)، قيل إن المعرفة فقدت هيبتها، وإن “أي أحد” بات قادراً على الكتابة والتأثير. لكن ما حدث لاحقاً لم يكن انهياراً للعقل، بل اتساعاً في دائرته، ولم تختفِ المعرفة، ولكن خرجت من الأدراج المغلقة إلى الناس.

اليوم، تتكرر العبارات نفسها، لكن بلباسٍ جديد. نسمع من يقول إن “الذكاء الاصطناعي سيجعل الإنسان أقل ذكاءً”، وكأن التفكير يتبخر بمجرد استخدام أداة. والحقيقة أبسط من ذلك بكثير: الإنسان لم يتوقف يوماً عن التفكير لأنه استخدم أداة، ولكن تطور تفكيره. انتقل من الحفظ إلى الفهم، ومن التكرار إلى التحليل.

وفي الجهة الأخرى، نسمع خطاباً معاكساً لا يقل خطورة، يقول لك: “اسأل الذكاء الاصطناعي، فهو يعرف كل شيء”. وهذه جملة تبدو مريحة، لكنها تحمل قدراً كبيراً من التبسيط المخل. فالذكاء الاصطناعي لا “يعرف” كما نعرف، ولا “يفهم” كما نفهم. هو يعالج معلومات، ويربط بينها، ويقدّم نتائج محتملة. قد يُصيب، وقد يُخطئ، وقد يعكس انحيازات موجودة أصلاً في البيانات التي بُني عليها.

المشكلة هنا ليست في الأداة، المشكلة في طريقة النظر إليها. حين نخاف منها فنرفضها، نخسر ما تقدمه. وحين نقدّسها فنسلّم لها عقولنا، نخسر أنفسنا.

ومن الأقوال التي تتكرر كثيراً أيضاً أن “الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظائف البشر”. وربما في هذا شيء من الصحة، لكنه ليس كل الصورة. فالتاريخ حافل بوظائف اختفت، وأخرى وُلدت مكانها. الفرق لم يكن في التغيير نفسه، بل كان في طريقة التعامل معه. مَن فَهِم التحول تقدّم. ومن تجاهله تأخر.

المسألة في جوهرها، ليست تقنية بقدر ما هي إنسانية، والذكاء الاصطناعي لا يختبر قدراتنا بقدر ما يختبر موقفنا: هل نريد أن نبقى أصحاب قرار، أم نبحث عن من يفكر عنا؟ هل نستخدمه لنفهم أكثر، أم لنرتاح أقل؟

البساطة هنا مطلوبة: الذكاء الاصطناعي أداة. لا أكثر، ولا أقل. لا يستحق الخوف المبالغ فيه، ولا التقديس الأعمى. يستحق فقط أن نتعامل معه بعقلٍ حاضر، ونفسٍ هادئة، ونقدٍ واعٍ.

أن نسأله، نعم. لكن أن نسأل أنفسنا أيضاً.
أن نستفيد منه، نعم. لكن دون أن نختبئ خلفه.

وفي النهاية، الضوء لا يؤذي من يفتح عينيه بهدوء؛ لأنّه ببساطة يؤذي من يصرّ على النظر إليه بعينٍ مغمضة… أو من يفضّل البقاء خلف الستارة.


 

اترك تعليقا