دعم بقيمة 90 ألف باوند: كيف مولت بريطانيا تقريرًا إسرائيليًا مضللًا استُخدم كـ “أداة بروبجاندا” للإبادة في غزة؟
كشف تحقيق استقصائي عن تقديم بريطانيا تمويلًا مباشرًا لتقرير إسرائيلي مضلل حول أحداث الـ7 من أكتوبر، في خطوة أثارت انتقادات حقوقية حادة، بعدما استُخدم التقرير — وفق مسؤولين إسرائيليين — كأداة في حملة “الدبلوماسية العامة” لتبرير العدوان على غزة.
وبحسب ما نشره موقع (Novara Media)، منحت وزارة الخارجية والتنمية البريطانية تمويلًا قدره 90 ألف باوند لمجموعة بحثية إسرائيلية لإعداد دراسة تزعم أن العنف الجنسي المنسوب إلى حركة حماس كان “منهجيًّا ومخططًا مسبقًا”.
تقرير إسرائيلي مضلل بتمويل من بريطانيا!

ويعود الملف إلى سبتمبر/أيلول 2024، عندما تقدّم “مشروع دينا” — وهو فريق بحثي مرتبط بالحكومة الإسرائيلية — بطلب دعم إلى وزارة الخارجية البريطانية التي كان يشرف عليها آنذاك ديفيد لامي.
وبعد معركة استمرت سبعة أشهر للحصول على المعلومات بموجب قانون حرية المعلومات، حصل موقع (Novara Media) جزئيًا على الوثائق التي أظهرت أن لندن موّلت المشروع بمبلغ 90 ألف باوند، أي نحو 75% من ميزانيته لمشروع استمر أربعة أشهر.
ووصف مسؤول إسرائيلي التقرير لاحقًا بأنه “أداة مهمة للدبلوماسية العامة”، في إشارة إلى دوره الإعلامي والسياسي.
صدر التقرير في يوليو/تموز 2025 بعنوان “السعي إلى العدالة: 7 أكتوبر وما بعده”، وخلص إلى أن العنف الجنسي خلال هجمات الـ7 من أكتوبر كان “واسع النطاق ومنهجيًّا”، واعتبر أن حماس استخدمت هذا العنف “كسلاح حرب”.
غير أن التقرير أثار انتقادات واسعة بسبب لغته الحادة ومنهجيته. فرغم تقديمه بوصفه عملًا أكاديميًّا، وصف منفذي الهجوم بأنهم “حشد عنيف يفتقر إلى أي رادع أخلاقي”، وهو ما اعتبره منتقدون مؤشرًا على نبرة غير حيادية.
ومنذ صدوره، تبنّت الحكومة الإسرائيلية التقرير كمصدر رئيسي في روايتها بشأن العنف الجنسي، وجعلته محور حملة إعلامية بملايين الدولارات لتحسين صورتها خلال العدوان.
روابط وثيقة مع الحكومة الإسرائيلية
أُطلق “مشروع دينا” عام 2023 كمبادرة بحثية تقودها نساء، وهو تابع لمركز راكمان ضمن كلية الحقوق في جامعة بار إيلان قرب تل أبيب.
ويقود المشروع عدد من الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة الرسمية الإسرائيلية، بينهم المدعية العسكرية السابقة في الجيش الإسرائيلي شارون زاغاغي-فينحاس، إلى جانب مسؤولين ودبلوماسيين سابقين وشخصيات عامة مثل الممثلة غال غادوت.
ورغم أن المشروع أكد في طلب التمويل أنه “لا تربطه علاقة رسمية” بالحكومة الإسرائيلية، فإن مسؤولين إسرائيليين أقرّوا علنًا بأهمية التقرير في جهود “الهسبراه” (الدعاية الرسمية).
فقد قال مسؤول في مديرية الدبلوماسية العامة الإسرائيلية إن المشروع “يخدمنا كأداة دبلوماسية عامة مهمة”، مضيفًا أن الحملة الترويجية “نُشرت بكل الوسائل التي نملكها كدولة”.
كما أقر مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن التواصل مع مؤلفي التقرير بدأ “حتى قبل نشره”.
فجوة الأدلة محل خلاف
ويُعَدّ الادعاء بأن العنف الجنسي كان منهجيًّا ركنًا أساسيًّا في التبرير الأخلاقي الإسرائيلي للعدوان، لكن تقارير دولية مستقلة لم تصل إلى النتيجة نفسها.
ففي مارس/آذار 2024، قالت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات، براميلا باتن، إن هناك “أسبابًا معقولة” للاعتقاد بوقوع حوادث عنف جنسي في عدة مواقع يوم الـ7 من أكتوبر، لكنها لم تخلص إلى أنه كان منهجيًّا، وشددت على أن نتائجها لا تبرر استمرار الأعمال القتالية.
كما خلص تحقيق لـ منظمة العفو الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى وقوع اعتداءات جنسية خلال الهجمات، لكنه لم يجد دليلًا على صدور أوامر من حماس أو جماعات فلسطينية مسلحة بارتكابها، ولم يتمكن من تحديد نطاقها بدقة.
وقد واجه التقرير انتقادات حادة في الأوساط الأكاديمية. ففي أكتوبر الماضي، وجّه أكاديميون في كلية لندن للاقتصاد رسالة مفتوحة انتقدوا فيها استضافة الجامعة للمشروع، واصفين التقرير بأنه يعاني “قصورًا منهجيًّا خطيرًا” ويحمل “نبرة دعائية”.
كما رفضت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء، ريم السالم، الاستنتاج القائل بأن العنف الجنسي كان أداة حرب منهجية.
ورغم ذلك، أشارت تقارير إلى أن وسائل إعلام بريطانية عدة تناولت التقرير دون تدقيق كافٍ، من بينها الغارديان وبي بي سي، فيما حذفت سكاي نيوز لاحقًا تقريرها من موقعها.
تمويل بريطاني يثير انتقادات حقوقية
التمويل البريطاني أثار انتقادات من منظمات حقوقية اعتبرت أن لندن تتبنى “ازدواجية معايير”، مشيرة إلى تجاهلها تقارير أممية عن عنف جنسي ارتكبته قوات إسرائيلية ضد الفلسطينيين.
ففي مارس/آذار 2025، وثّقت لجنة تحقيق دولية تابعة للأمم المتحدة انتهاكات جنسية وإنجابية وقائمة على النوع الاجتماعي خلال العدوان على غزة، بما في ذلك تدمير عيادات الإخصاب ووقائع اغتصاب وتعذيب لمعتقلين فلسطينيين — دون أن يصدر رد بريطاني رسمي حتى الآن.
وقال كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي-البريطاني، إن دعم لندن للمشروع “يتناقض بشكل صارخ مع الغياب الصادم لأي إدانة حكومية للعنف الجنسي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين”.
وفي مراسلات مع (Novara Media)، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها تدين العنف الجنسي أينما وقع، لكنها رفضت تقديم تعليق رسمي مسجّل بشأن التمويل.
وبينما أقرت لندن بشكل عابر بوجود تقارير عن انتهاكات من جميع الأطراف — عبر تصريحات دبلوماسية لكل من جيمس كاريوكي واللورد طارق أحمد — فإن الحكومة لم تموّل أي تحقيق مماثل في الانتهاكات المزعومة ضد الفلسطينيين.
المصدر: Novara Media
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
