هيئة الصحة NHS تواجه “حالة طوارئ وطنية” مع تصاعد العنف ضد الطواقم الطبية
تشير بيانات حصلت عليها صحيفة الغارديان عبر طلبات حرية المعلومات إلى تسجيل أكثر من 295 ألف حادثة عنف بدني وعدوان من قِبل مرضى ضد موظفين في 212 هيئة/مؤسسة تابعة لهيئة الصحة الوطنية NHS في إنجلترا خلال الفترة بين 2022 و2025. وتشمل هذه الحوادث طيفًا واسعًا يبدأ من التهديدات العنيفة وصولًا إلى محاولات الاعتداء والاعتداءات الفعلية.
وتظهر سجلات المستشفيات أن حجم العنف في تصاعد مستمر؛ إذ ارتفع عدد الحوادث من 91,175 في عام 2022-2023 إلى 104,079 في 2024-2025، وهو ما يعادل نحو 285 حالة يتم الإبلاغ عنها يوميًا في أحدث عام ضمن البيانات.
تحذيرات النقابات: أزمة تتفاقم في مواسم الأعياد

حذّرت نقابات الرعاية الصحية من زيادة الاعتداءات خلال فترة عيد الميلاد ورأس السنة، في ظل ضغوط تشغيلية وازدحام شديد. وفي واقعة حديثة، أفادت شرطة ميرسيسايد أن رجلًا هاجم وأصاب ستة من الموظفين والمرضى باستخدام عتلة حديدية داخل مستشفى نيوتن المجتمعي في ميرسيسايد الأسبوع الماضي، قبل أن يتم اعتقاله واحتجازه بموجب قانون الصحة النفسية.
ووصفت البروفيسورة نيكولا رينجر، الأمينة العامة لـ الكلية الملكية للتمريض (RCN)، ما يحدث بأنه “حالة طوارئ وطنية” تخص سلامة العاملين، مؤكدة أن حجم الاعتداءات وتكرارها وشدتها بلغت مستوى يهدد بيئة العمل في NHS. وأضافت أن العمل في الهيئة بات “أكثر خطورة”، وأنه “يثير غضبًا” أن يواجه العاملون، خصوصًا في مهنة يغلب عليها حضور النساء مثل التمريض، خطر الاعتداء الجنسي والعنف الجسدي أو كليهما.
اعتداءات جنسية وشهادات صادمة من الخطوط الأمامية
نقل التقرير شهادات عن تعرض بعض الموظفات لـ اعتداءات جنسية أثناء تقديم العلاج، بينما قالت أخريات إنهن شهدن سلوكيات جنسية فاضحة داخل أقسام الطوارئ والحوادث (A&E)، من بينها حالات تعمّد بعض المرضى القذف على الممرضات.
وفي سياق متصل، تحدث أطباء وممرضون عن “سيل” من الاعتداءات شمل هجمات بالسكاكين وأسلحة أخرى، إلى جانب تخريب غرف وتجهيزات طبية تسبب في أضرار تصل إلى مئات الآلاف من الباوند. كما أشاروا إلى أن مرتكبي الاعتداءات غالبًا لا يواجهون حظرًا من تلقي العلاج ولا ملاحقات قضائية بالقدر المتوقع.
الجمعية الطبية البريطانية: طول الانتظار ونظريات المؤامرة والعنصرية وراء التصعيد

عزت الجمعية الطبية البريطانية (BMA) ارتفاع العنف إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها:
- الغضب من طول فترات الانتظار للحصول على العلاج.
- تزايد انعدام الثقة بالطب بفعل نظريات المؤامرة المرتبطة بـ كوفيد.
- ارتفاع حاد في العنصرية ضد العاملين من ذوي البشرة الملوّنة.
وقالت إيما رونسويك، نائبة رئيس مجلس الـBMA، إن موظفي NHS باتوا “يعيشون في خوف متزايد من التحرش والإساءة والعنف”.
أجنحة تُغلق بالكامل بسبب مرضى شديدي الخطورة ونقص الأسرّة المتخصصة
بحسب شهادات من مديرين وطاقم ميداني، أصبح من الشائع إغلاق أجنحة مستشفيات كاملة لاحتجاز مرضى—خصوصًا مراهقين—يعانون اضطرابات نفسية حادة أو صعوبات شديدة في تنظيم المشاعر، وإبقائهم في العزل لأسابيع أو أشهر. ويربط العاملون ذلك بـ النقص في الرعاية التخصصية للشباب ذوي الاحتياجات الشديدة في الصحة النفسية أو التوحّد.
وقال مسؤول لإدارة المخاطر في هيئة مستشفى كبيرة شمال إنجلترا إن المستشفى يمر أحيانًا بـ ستة أو سبعة أشهر سنويًا يتم خلالها إغلاق جناح كامل بسبب مريض واحد بالغ العنف، موضحًا أن هذه الأجنحة تصبح “مغلقة” وتُدار غالبًا بواسطة الأمن أكثر من طواقم الرعاية الصحية.
عنف مرتبط بتدهور الخدمة ونقص التمويل والكوادر

رغم أن حالات الخرف والهذيان والاضطرابات النفسية الشديدة مسؤولة عن جزء من الاعتداءات، تشير رونسويك إلى نمو عدوانية مقصودة من مرضى آخرين نتيجة طول الانتظار وضعف الخدمة، معتبرة أن “سبب العنف هو سوء الخدمة المقدمة للمرضى وعائلاتهم”، وأن الحد منه مرتبط بتحسين الأداء.
كما ربطت تصاعد الاعتداءات بالأزمة الأوسع في نقص الكوادر والتمويل داخل NHS، مشيرة إلى أن بعض أعلى مستويات الإساءة تظهر في الهيئات التي تعتمد على أعداد كبيرة من الموظفين القادمين من الخارج، حيث تكون العنصرية عاملًا رئيسيًا في الاعتداءات من المرضى وأقاربهم. وقالت: “الإساءة القائمة على العِرق في تصاعد كبير”، ووصفت ما تشهده في مانشستر الكبرى بأنه “حالة مروعة وشديدة”.
وأضافت أن نظريات المؤامرة حول كوفيد واللقاحات ساهمت في ارتفاع مستوى الشك والعداء داخل أقسام الطوارئ، لدرجة أنها تسمع في غرف الانتظار عبارات من قبيل: “أنتم تريدون فقط أن نموت”، وهي لغة تقول إنها لم تكن مألوفة سابقًا.
استطلاع RCN: ربع الممرضات تعرضن لاعتداء بدني خلال عام
يدعم استطلاع شمل 20,000 ممرضة ونشرته الكلية الملكية للتمريض (RCN) مؤخرًا صورة التصعيد؛ إذ قالت أكثر من 27% من المشاركات إنهن تعرضن لـ اعتداء بدني من المرضى أو أقاربهم أو من الجمهور خلال آخر 12 شهرًا، بينما أبلغت أكثر من 10% عن تحرش جنسي.
ودعت رينجر وزير الصحة ويس ستريتينغ وNHS إنجلترا إلى التحرك العاجل، مشيرة إلى أن بعض الهيئات قد تكون في حالة خرق لواجباتها القانونية بموجب قانون الصحة والسلامة، وكذلك قانون حماية العمال الذي يلزم أصحاب العمل بمنع التحرش الجنسي ضد الموظفين.
رد الحكومة وNHS والشرطة: “صفر تسامح” وتشديد العقوبات

قال وزير الصحة والرعاية الاجتماعية ويس ستريتينغ إن العنف والعدوان والعنصرية والسلوك الجنسي غير اللائق ضد موظفي NHS “غير مقبول إطلاقًا”، مؤكدًا أن الهيئة تتبع “سياسة صفر تسامح”. وأضاف أن الحكومة أعلنت العام الماضي مراجعة عاجلة للتمييز داخل NHS وإجراءات للتعامل مع التهديدات والعنف ضد الموظفين، وأن الهيئات ستتخذ خطوات إضافية لتحديد مرتكبي السلوك الجنسي غير اللائق والتعامل معهم بسرعة، مع تعزيز التدريب لرصد الحوادث.
وأكد ستريتينغ أن الحالات ينبغي الإبلاغ عنها للشرطة، مشيرًا إلى “إرشادات جديدة” تستهدف أسوأ المعتدين لضمان أن أخطر الاعتداءات ستواجه “أقسى العقوبات”، بما في ذلك أحكام بالسجن مدى الحياة.
من جهته، وصف متحدث باسم NHS إنجلترا العنف البدني ضد الموظفين بأنه “غير مقبول تمامًا”، داعيًا المتضررين إلى الإبلاغ لدى جهاتهم أو لدى الشرطة. كما أعلن متحدث باسم مجلس رؤساء الشرطة الوطني دعم الشرطة لنهج “صفر تسامح” تجاه أي عنف أو عدوان أو اعتداء ضد العاملين في الخطوط الأمامية وموظفي NHS.
وترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن تصاعد العنف ضد الطواقم الطبية في بريطانيا لم يعد مجرد ظاهرة عابرة داخل المستشفيات، بل مؤشر خطير على أزمة تتداخل فيها ضغوط النظام الصحي مع التوترات الاجتماعية، من طول الانتظار ونقص الموارد، إلى انتشار خطاب الكراهية والعنصرية وتراجع الثقة العامة.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
